رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
« 1 »
.
وكما يفعل حجر يُلقى في ماءٍ راكدٍ ، اهتزّت بركة الحياة ، صحا ماؤها الهامد بعد موات ، تحرّك بعد وَسَن وأَسَن ، انتفض وانداح وساح ، دوّم كالدوّامات ، تشكّل حلقةً تنجب حلقةً ، تليها حلقة ، تباعاً تباعاً دار حلقاتٍ وراء حلقات ، جرى النبض في ركود الوجود .
فالكلمة معرفة ، والمعرفة حياة ، والدعوة إليها من عند اللَّه .
* * * منذ تلك اللحظة ، أدرك الزهراء ، أنّ كلّ ما حولها غدا غير ما كان .
ما من حركة عضو ، أو خَلْجة « 2 » لمحة ، أو نأمة « 3 » صوت ، أو نظرة عين ، أو رفّة هدب ، أو سرحة خاطر ، أو خفقة قلب ، إلّابدا كأنّما تهمس في ضمير الصغيرة :
« وداعاً أيها الهدوء ! » .
لكلّ مشيمٍ ومسموع ومرئيٍّ لغة بليغة التعبير ، حتّى الصمت نفسه كان ينطق بالتغيير ، حتّى انسياح الشعور .
فالأب الحبيب هو النبي الموعود ، حامل رسالة ربّ العالمين إلى العالمين ، الداعي بالتي هي أحسن إلى الطريق القويم ، رافع مشاعل النور الحقّ ليبدّد ظلام الجهالة البهيم .
ولكن لم تكن فاطمة يومنذٍ تحدس الأحداس ، ولا تستشفّ « 4 » بالاستجلاء ما وراء ستر الغيوب ، ولا تترسّل مع جموح الخيال ، ولا تندفع مع وفز « 5 » الإحساس ، إنّما
هامش
( 1 ) . العلق : 1 - 5 .
( 2 ) . الخَلْجة : الغمزة .
( 3 ) . النأمة : النغمة والصوت .
( 4 ) . استشفّ الشيء : نظر فيه وتبيّنه .
( 5 ) . الوَفز : الفوران والتقلّب .