فهل هذه السمات في الزهراء طبيعة أم هي انطباع ؟ بل طبيعة وانطباع ، كلا الأمرين في الفتاة يلتقيان .
من هوس الضجّة ، وعربدة اللهو ، وعبث اللغو ، وسقط الهراء ، عصمها اللَّه ، عصمها لأنّها موهوبة للكمال ، ولأنّ في دمائها - من أبيها - نواة لهذا الكمال ، ولانّ حياتها في أحضانه طبعتها بما جبل عليه من خصال .
بطبعها وانطباعها هي خليقة بأن تعفّ عن المباذل ، حريّة بأن تمتنع عن أيّة بادرة قد تنزل بها - ولو قيد شعرة - عن قدرها الرفيع ، حقيقة بأن تتسامى بسلوكها الإنساني إلى صفاتها النورانية التي تضعها على قمة المكارم .
تفعل هذا وإن هو جافى السلائق البشرية إبّان عمرها الغضّ الذي ما زال بعد في مستهلّه ، وما قطعت من رحلة حياتها على دنياها إلّاما يساوي مثل عمر الزهور .
أفهي للجلال منذورة أم هي به مأمورة ؟ بل تفعل وإنّها لمختارة ، تفعل لأنّ فكرها أكبر من عمرها ، ولأنّ طاقتها الروحية أوسع من طاقة جسدها الضئيل ، تفعل تطلّعاً إلى غدٍ عظيمٍ حافلٍ ، إن لم تكن تلحظ برأي العين وقائعه المقبلات فإنّها ترمقه بعين الشعور ، تفعل لتتمرّس بالجدّ ، وتعيش الصبر ، وتتزوّد بالمعرفة ، وتتدرّب على مجالدة الخطوب ومجابهة جلائل « 1 » الأمور .
والبشائر تنبئ عن أحداث جِسَام ، والمسيرة أمامها عسيرة ، والطريق طويل ، والمعاناة المنتظرة مفازة وعرة من جلاميد وأشواك ، يلفّها ظلام كثيف يحشو الأبصار فيشقّ اجتيازها على السُراة « 2 » .
أمّا الصغيرة الأثيرة فإنّها تشعّ الضياء ، ولأنّها شفّافة النفس ، ولأنّها مشرقة الوجدان ، ولأنّها مصوغة من إيمان .
فلقد كانت ترى في الدياجير « 3 » ، برمقها الكاشف ترى البعيد ، بقلبها الملهم
هامش
( 1 ) . الجلائل من الأُمور : عظيمها .
( 2 ) . السُرى : سير الليل .
( 3 ) . الدياجير : جمع ديجور ، وهو الظلام .