الثانية : أن الهوة بين الموقفين ليست بهذا البعد الذي يتصوره البعض ، بل قد تضيق هذه الهوة إلى الحد الذي يعود النزاع فيها لفظياً ، ولو على مستوى بعض الاتجاهات .
وهذا ما سنلاحظه فيما يلي :
أ - القياس : وقد انتهى إلى أن تعريفه هو " مساواة فرع لأصله في علة حكمه الشرعي " وقد أكد أن هذا التعريف ليس محل الاعتراض المعروف على القياس ، وإنما ينصب الاعتراض على تعريف آخر تم هجره ، وهو " التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل " .
وقد أكد على أنهم أضافوا شروطاً في تعريف العلة كأن تكون وصفاً ظاهراً ، ومنضبطاً ومناسباً وأن لا يكون الوصف قاصراً على الأصل ، وبهذه الشروط قد تضيق شقة الخلاف .
ومن هنا فهو لا يصدر حكمه السريع على القياس وإنما يؤكد على أن الحديث " حول حجية القياس متشعب جداً بتشعب أقوالهم وتباينها وطبيعة البحث تدعونا إلى أن نقف منها موقفاً لا يخلو من صبر وأناة " « 1 » .
وهو يؤكد على أن المنع عن العمل إنما ينصب على قسم من أقسام القياس لا غير ، فان المسالك لمعرفة العلة إن كانت مقطوعة أو قام على اعتبارها دليل قطعي فلا شك في الحجية ، أما إذا كانت المسالك غير مقطوعة فهي التي يخالفها الشيعة ولم تثبت الأدلة المطروحة عليها للنقد ، وقد ناقشها لينتهي إلى أن جميع ما ذكره مثبتو القياس من الأدلة لا تنهض باثبات الحجية له فنبقى نحن والشك في حجيته ، والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها .
ب - الاستحسان : والبحث هنا يكاد يكون من أمتع البحوث التقريبية ، إذ يثبت فيه الأستاذ أن الخلاف فيه يكاد ينعدم ، فبعد استعراض تعاريفه يصل إلى أنها ترجع إلى أصول أربعة هي :
الأول : أن الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين ولا خلاف فيه بين المذاهب .
الثاني : أن الاستحسان هو العمل بما يقتضيه العرف وحينئذ يكون من صغريات مسألة العرف ، وهو لا يكون حجة إلا إذا امتد إلى عصر المعصوم وأقر من قبله وحينئذ يكون من تطبيقات كبرى حجية السنة .
الثالث : الاستحسان الذي يرجع إلى الاستصلاح ويأخذ حينئذ حكمه .
الرابع : الاستحسان كحالة نفسية لبعض المجتهدين ، وحجيته مقصورة على من يدّعون القطع ولا يشكل قاعدة محددة وأصلًا كسائر الأصول ، وقد ناقش الأدلة المذكورة لحجية هذا القسم الرابع وأبطلها جميعاً .
ج - المصالح المرسلة : وقد اختلف في حجيتها ، فذهب مالك وأحمد إلى أن الاستصلاح طريق
هامش
( 1 ) - أصول الفقه المقارن / 320 .