وإذا كان لنا أن نضيف شيئاً هنا قلنا إن هناك منشأ آخر لاختلاف نتائج البحوث الفقهية وهو الاختلاف في ترتيب الأدلة وكيفية الرجوع إليها ، إذ يجد الباحث في بطون الكتب الفقهية الاختلاف الكثير بين الفقهاء مع أن الواقع يقتضي الترتيب بينها ، وهذه النقطة بالضبط درسها السيد الحكيم في موضوع آخر بعد الحديث عن مصطلحي " الورود والحكومة " وهما مصطلحان يختص بهما الفقه الإمامي دون غيره وعلى ضوئهما يتم ترتيب الأدلة على النحو التالي :
أ - أدلة الطرق والامارات ( أدلة الواقع ) .
ب - أدلة الواقع التنزيلي كالاستصحاب .
ج - أدلة الوظيفة الشرعية .
د - أدلة الوظيفة العقلية « 1 » .
ومتى ضمنّا وحدة الترتيب في الرجوع إلى الأدلة ضمنّا التقارب الكبير في النتائج .
ثالثاً : موضوع التحريف : وشبهة التحرف في القرآن الكريم تعد من أكبر الشبهات التي تثار لا في وجه حجّية الظواهر القرآنية فحسب بل تستعمل كأداة ضخمة لطعن المذهب الامامي بدعوى اتهامه به ، وكتب الهمز واللمز هذه تزخر بتوجيه الاتهام والكلام المطول ضده .
ومن هنا نجد السيد الحكيم ( حفظه اللّه ) يولى أكبر الاهتمام لهذه الشبهة ويعالجها أروع علاج ، فيبحث أولًا عن منشئها في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث ، وما ورد في أصول الكافي من روايات مؤكداً على أن المنشأ إنما هو في كتب الفريقين معاً ، ومعقباً على ما قاله الشيخ أبو زهرة من أن ما جاء في الكافي هي وثيقة تكفير المرحوم الكليني ، مؤكدا أن أسلوب التكفير أسلوب مرفوض ، خصوصاً إذا كان من قبل العلماء ، موضحاً أن مجرد التشكيك في هذا الموضوع لا يعد تشكيكاً في ضرورة من ضروريات الدين حتى يؤدي إلى الكفر ، على أن مجرد رواية أحاديث النقص وعدم التعقيب عليها لا يدل على الوثوق بصدورها ، بل لعل وضع الكليني لهذه الروايات في باب النوادر دليل على إنكارها بعد ما جاء في الرواية المرفوعة عنهم ( عليهم السلام ) : " ودع الشاذ النادر " .
على أن الكليني نفسه روى الروايات العلاجية والتي تأمر بعرض الروايات على كتاب اللّه ( عز وجل ) " فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فردوه " « 2 » وروايات النقص لا تنسجم مطلقاً مع الآية الشريفة ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) « 3 » .
هامش
( 1 ) - بداية المجتهد 1 / 5 - 1 6 .
( 2 ) - أصول الفقه المقارن / 91 - 92 .
( 3 ) - أصول الكافي ، هامش مرآة العقول 1 / 6 .