وكان الزائرون يذهبون بما ينالونه إلى احيائهم ينشرونه فيالناس . فاستيقظت مشاعر ، وانتبهت عقول ، وخفّ حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد ، خصوصاً « القاهرة » .
كل ذلك والحاكم القوي في علو مكانته ، أرفع من أن يناله هذا الشعاع في ضعف شأنه . . . ! ولا زال هذا الشعاع يقوى بالتدريج البطيء ، وينتشر فيالانحاء على غير نظام ، إلى أن نشبت الحرب بين الدولة العثمانية ودولة روسيا في سنة 1293 ه . ( 1876 م ) .
وجد الناس من أنفسهم لذة في الاطلاع على ما يكون من شأن الدولة العثمانية ، صاحبة السيادة عليهم مع دولة روسيا ، فتطلّعوا إلى ما يرد من أخبار الحرب . وقد سهّلت كثرة الأجانب في البلاد ورود الجرائد الأوربية إلى طلابها من الاوربيين . ومهّدت مخالطتهم للعامة والخاصة الطريق إلى العلم بما فيها ، فزاد تشوق الناس إلى الوقوف على حوادث تلك الحرب .
وسرى هذا الشعور إلى بعض الجرائد العربية ، التي كانت لا تزال إلى هذا العهد مقصورة على ما لايهم ، فانطلقت في ايراد الحوادث ونشرها ، وظهر فيها الميل إلى اطراء ما كانت تأتي به العساكر الروسية ، وازدراء ما كان ينسب إلى الجنود العثمانية . . . ! ؟ فوجد في الناس الناقم على تلك الجرائد والناصر لها . . . ! وحدث بين العامة نوع من الجدال لم يكن معروفاً من قبل . . . ثم استحدثت جرائد كثيرة لمباراة سبقها في نشر الاخبار ، ومناوأتها في المشرب ، واندفعت الرغبات إلى الاشتراك فيها إلى حدّ لا يمكن منعه ، وقضى سلطان الوقت على سلطان الإرادة القاهرة . . . !
لم يكن ما ينشر في الجرائد محصوراً في حوادث الحرب ، بل اجترأ الكثير منها على نشر ما عليه سائر الأمم في سيرتها السياسية والاجتماعية ، وزادوا على ذلك نشر ما كان قد بدأ في الحكومة المصرية من سوء الأحوال المالية ، وكثر المتحدثون بما يكثر في تلك الجرائد .
وأخذ الشيخ جمالالدين في حمل من يحضر مجلسه من أهل العلم وأرباب الأقلام على التحرير ، وانشاء الفصول الأدبية والعلمية في موضوعات مختلفة ، لا تخرج جامعتها عن إصلاح الفكار ، وتهذيب الاخلاق .
فتسابق إلى ذلك الكتّاب ، وتبارت الأقلام ، وأخذت الحرية الفكرية تظهر في الجرائد
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 56
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٥٦