كان أملًا يراود روّاد التشريع ، وقد قام الشيخ بسدّ هذا الفراغ التشريعي القانوني ، ووضع بين يدي العلماء نصوصاً شرعية مقنّنة بأُسلوب عصري استوفى فيه الغرض الذي توّخاه المشرّع الأعظم . وذلك بتأليفه لكتاب « تحرير المجلّة » ، حيث أسدى خدمةً جليلة للفقه الإمامي بإدخاله عنصر التقنين على أحكام الشريعة الإسلاميّة .
يمثّل كتاب « مجلّة الأحكام العدلية » القانون المدني للإمبراطورية العثمانية ، وكان محلّ اعتماد الدوائر القضائية في هذه الإمبراطورية الكبرى لحلّ المشكلات والمعضلات التي تستعصي على الناس آنذاك . هذا الكتاب تمّ تدوينه وتنقيحه بأُسلوب حقوقي عصري ، وأُضيفت على فتاواه الفقهية طابع المواد والبنود الحقوقية والجزائية ، ممّا حدا بكاشف الغطاء إلى تأليف كتاب على هذا المنوال .
وفي هذا الصدد يقول سماحته : « لمّا كانت « المجلّة العدلية » أو « مجلّة الأحكام » هي الكتاب المقرّر تدريسه في معاهد الحقوق في زمن الأتراك إلى اليوم ، نظرت فيه فوجدته - مع حسن ترتيبه وتبويبه وغزارة مادّته - محتاجاً إلى التنقيح والتحرير ، والإشارة إلى ما فيه من الزيادة والتكرير ، وبيان مدارك بعض القواعد والفروع ، وذكر الأُصول والفروع ، وذكر مبانيها حسب الفنّ من الأدلّة والأُصول .
والكتاب المزبور - على ما يظهر من أُسلوبه ويغلب عليه - أنّه كتاب فقه لا تدوين قانون ، أو أنّه فقه قانوني أو قانون فقه » « 1 » .
وقد عمد كاشف الغطاء من خلال تأليفه لكتاب « تحرير المجلّة » إلى نقد كتاب « المجلّة العدلية » من خلال التعريف بالفقه الشيعي على هيئة البنود والمواد الحقوقية والجزائية والمدنية ، بالرغم من تسليمه بصحّة هذا النمط من استعراض الفتاوى وتأديتها بهذا الشكل وتناسبه مع ذلك العصر . لذا وجد من المناسب أن يختار هذا الأُسلوب في عرضه للأحكام ، وتمّ تأليف المجلّد الأوّل من التحرير في
هامش
( 1 ) تحرير المجلّة 1 : 109 .