تستوجب قطع رابطة الأُخوة الإسلامية معه قطعاً .
وثالثاً : قد لا يدخل هذا في المعصية أيضاً ولا يوجب فسقاً إذا كان ناشئاً عن اجتهاد واعتقاد وإن كان خطأً ، فإنّ من المتسالم عليه عند الجميع في باب الاجتهاد أنّ للمخطئ أجراً ، وللمصيب أجرين ، وقد صحّح علماء السنّة الحروب التي وقعت بين الصحابة في الصدر الأوّل ، كحرب الجمل وصفّين وغيرهما ، بأنّ الزبير وطلحة ومعاوية اجتهدوا ، وهم وإن أخطأوا في اجتهادهم ، ولكن لا يقدح ذلك في عدالتهم وعظيم مكانتهم ، وإذا كان الاجتهاد يبرّر ولا يستنكر قتل آلاف النفوس من المسلمين وإراقة دمائهم ، فبالأولى أن يبرّر ولا يستنكر معه - أي : مع الاجتهاد - تجاوز بعض المتطرّفين على تلك المقامات المحترمة .
والغرض من كلّ هذا أنّنا مهما تعمّقنا في البحث ومشينا على ضوء الأدلّة ، عقلية أو شرعية ، وتجرّدنا من الهوى والهوس والعصبيات ، فلا نجد أيّ سبب مبرّر للعداء والتضارب بين طوائف المسلمين ، مهما اتّسعت شقّة الخلاف بينهم في كثير من المسائل .
هذا كلّه بالنظر إلى القضية من حيث ذاتها مجرّدة عن كلّ الملابسات ، فكيف إذا نظرنا إليها من حيث ما جرّه هذا الخلاف والعداء من الويلات والبليات على المسلمين ، وما ضاع على أثره من الممالك الإسلامية الكبرى ، كالأندلس والقوقاز وبخارى ونحوها . ولو أنّ المسلمين كانوا في تلك الظروف يداً واحدة كما أمرهم اللَّه ، لما انتزع من الإسلام شبر واحد ، وإذا لم يكفنا عبرة ما سجّله التاريخ من تلك الفجائع فليكفنا ما رأيناه بأعيننا من رزية المسلمين بفلسطين وهي الفردوس الثاني ، سبع دول عربية إسلامية كما يزعمون تتغلّب عليها عصابة من أذلّ الأُمم مشهداً وأقلّهم عدداً ، ثمّ يمزّقون تلك الدول شرّ ممزّق ، يشرّدون تسع مائة ألف مسلم ، بل أكثر ، من عرب فلسطين ، فيملكون دورهم وقصورهم وأراضيهم وأموالهم ، ويضعونهم في البراري والقفار تحت رحمة الأقدار ، يفتك بهم البرد والجوع والمرض ، والمسلمون يسرحون ويمرحون ، لا ينصرونهم إلّابالكلمات الفارغة والتأوهات الكاذبة ! أما واللَّه ، لو أنّ تلك الدول تركت عرب فلسطين يحاربون اليهود بأنفسهم لما
الإمام كاشف الغطاء — صفحة 172
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٧٢