مذهب غيره بسوء ولا غميزة .
والشرط الثاني - بل هو الأوّل في الأهمية - : أن يعقد المسلم قلبه على الإخاء الصحيح لأخيه المسلم ، وأن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، ويبرأ من كلّ حقد وحسد عليه جدّاً وحقيقة ، لا لقلقة في القول ، ومخادعة في اللسان ، ومنافسة على المصالح الفردية والمنافع الذاتية ، كما هي الحال السائدة اليوم عند الجميع !
إنّما الوحدة الحقّة والإخاء الصحيح الذي جاء به الإسلام ، بل جاء بالإسلام وتمشّت عليه الأُمم الراقية ، وبلغت أوج العزّ والقوّة ، أن يرى كلّ فرد من الأُمة أنّ المصلحة النوعية هي عين المصلحة الفردية ، بل هي فوقها ، وهذه الصفة خفيفة في اللسان ، ثقيلة في الميزان ، بعيدة في الإمكان ، يكاد أن يكون تحقّقها عندنا معشر المسلمين من المستحيلات ، لا سيّما من كلّ طائفة بالنظر إلى الأُخرى التي تنظر كلّ منهما إلى الأُخرى نظر العدوّ الألد والمخاصم المزاحم ! وإذا جامله في القول أو أظهر له الولاء فلن يجامله إلّاليخاتله ، ولن يصانعه إلّاليخادعه ، إمّا ملقاً أو تزلّفاً لغاية واهنة ، أو توسّلًا إلى أن يبتزّ ماله ، أو يسلبه حقّه ، أو تكون له السلطة عليه والاستعباد له ! وكلّهم جارون على غلوائهم في هذه السخائم التي صارت لهم ضربة لازم ، لا يصدّهم عنها صرخة ناصح ، ولا صيحة زاجر ، ولا عظة بليغ .
ينسى الكلّ أو يتناسى عدوّهم الصميم الذي هو لهم بالمرصاد والذي يريد سحق الكلّ ومحو الجميع ، ويبثّ بذور الشقاق بينهم ؛ ليضرب بعضهم ببعض ، وينصب أشراك المكر ؛ ليصدّ الجميع . ولا يسلم المسلمون من هذه الأشراك المبثوثة لهم في كلّ سبيل حتّى يتّحدوا عملًا لا قولًا ، وجدّاً لا هزلًا .
وأقرب وسيلة إلى تنمية تلك البذرة وتلك الفكرة - فكرة الاتّحاد الجدّي - هو عقد المؤتمرات في كلّ عام أو عامين ، يجتمع فيها عقلاء المسلمين وعلماؤهم من الأقطار النائية ؛ ليتعارفوا أوّلًا ، ويتداولوا في شؤون الإسلام ثانياً ، بل وأوجب من هذا عقد المؤتمرات والمعاهدات بين ملوك المسلمين - لو كان للمسلمين ملوك حقّاً - فيكونون يداً واحدة ، بل كيدين لجسد واحد ، تدفعان عنه الأخطار المحدقة به من كلّ جانب ، وقد أملت عليهم الحوادث بعد الحرب العامّة دروساً بليغة وعبراً
الإمام كاشف الغطاء — صفحة 167
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٦٧