وغرق فيها ليله ونهاره غير مبال بما يقال ، كأنّما هو القائل : « دع عنك لومي ، فإنّ اللوم إغراء » « 1 » .
وتحبّ المرأة أن تستحيي وتتوارى من المسبّة في هواها ، ثمّ يغلبها هواها ، فإذا هي ألقت حياءها للريح ، وصنعت ما تحجم عنه التي لم تنازع نفسها قط في هوى ، ولم تشعر قط بوطأة الخجل والاستتار .
واندفاع المتهجّمين على الشرّ في حرب كربلاء بغير داع من الحفيظة ولا ضرورة ملزمة تقضي بها شريعة القتال ، لهو الاندفاع الذي يسبر لنا عمق الشعور بالإثم في نفوس أصحاب يزيد ، وقد رأينا من قبل عمق الشعور بالحقّ في أصحاب الحسين . .
وما بنا من حاجة إلى البحث عن علّة مثل هذه العلّة لمن خلقوا مجرمين وخلقت معهم ضراوة الحقد والإيذاء لهذا الميدان وغير هذا الميدان ، كشمر بن ذي الجوشن ومن جرى مجراه . . فهؤلاء لا يصنعون غير صنيعهم الأثيم كلّما وجدوا السبيل إليه .
على أنّها - بعد كلّ هذا - حرب بين الكرم واللؤم ، وبين الضمير والمعدة ، وبين النور والظلام . . فشأنها على أيّة حال أن تصبح مجالا من الطرفين لقصارى ما يبلغه الكرم وقصارى ما يبلغه اللؤم ، وقد بلغت في ذلك أقصى مدى الطرفين .
* * *
هامش
( 1 ) هذا صدر بيت لأبي نواس ، وعجزه : ودواني بالتي كانت هي الداء .
انظر : ديوان أبي نواس 6 ، الأغاني 7 : 198 .
وراجع ترجمته في قائمة التراجم رقم ( 53 ) .