نيزر » « 1 » ، فأبى أن يبيعها مع حاجته إلى بعض ما عرض عليه ؛ لأنّ أباه تصدّق بمائها لفقراء المدينة « 2 » ، ولو أنّه باعها لوقفها معاوية على أولئك الفقراء .
وقد أخذ نفسه بسمت الوقار في رعاية أسرته ورعاية الناس عامّة ، فهابه الناس وعرف معاوية عنه هذه المهابة ، فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة ، فقال : « إذا دخلت مسجد رسول اللّه ، فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على رؤوسهم الطير ، فتلك حلقة أبي عبد اللّه مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه » « 3 » .
ولم يذكر عنه قط أنّه كان يواجه الناس بتخطئة وهو يعلّمهم ويبصّرهم بشؤون دينهم ، إلّا أن تكون مكابرة أو لجاجة ، فله في جواب ذلك أشباه تلك القوارص التي كانت تؤثر عن أبيه .
وما لم تكن مكابرة أو لجاجة فهو يحتال على تصحيح الخطأ حيلة لا غضاضة فيها على المخطئين .
هامش
( 1 ) أبو نيزر هذا هو مولى علي عليه السّلام ، كان ابنا للنجاشي ملك الحبشة ، وقد وجده عليه السّلام عند تاجر بمكّة ، فاشتراه وأعتقه مكافأة بما صنع أبوه مع المسلمين حين هاجروا إليه ، وقيل : إنّه رغب في الإسلام صغيرا ، فأتى الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم وأسلم .
وهذه العين أوقفها علي عليه السّلام على فقراء أهل المدينة وابن السبيل ، وأوصى الحسنين أن يجعلا فيها ثلاثة من مواليه .
انظر : الكامل في اللغة والأدب 2 : 603 - 604 ، معجم البلدان 1 : 37 و 3 : 368 .
( 2 ) لاحظ المصدرين المتقدّمين .
( 3 ) تاريخ مدينة دمشق 14 : 179 .