الجواب : وهنا يكمن السر لعظمة علي وفضله على الجميع ، لقد صادفت الظروف ان ينشأ غير علي في حجر الشرك والرجس وعبادة الأصنام ، وان ينغمس في الجاهلية وأوزارها إلى الآذان ، وان لا ينطق بالشهادة إلا بعد ان عصى عوده ، وبعد ان شبعت الأصنام منه ومن سجوده لها . . وشاء اللّه لعلي ان ينشأ في حجر النبوة والطهر والايمان ، وان يؤمن بمحمد ، وهو ندي طري ينزل الأصنام من على عرشها ، ويضعها تحت أقدام الرسول الأعظم ( ص ) شاء اللّه سبحانه ان يؤمن علي بمحمد منذ طفولته ، ليكفيه وفقا لإرادة اللّه وإرادته ، ويهيئه لخلافته ، وقديما قيل : « من شب على شيء شاب عليه » . .
وعلى الأقل ان لا تتذبذب شخصيته وايمانه بين ماضيه وحاضره .
هذا ، إلى أن عيسى ( ع ) حين تكلم كان في المهد صبيا ، ومحمد ( ص ) لمع نور النبوة في جبينه ساعة ولادته ، وكره الكذب والزيف والخيانة وعبادة الأصنام في طفولته ، وكانت هذه من مكارم صفاته ، وأقوى الدلائل - عند جميع المسلمين - على أن ذاته القدسية تنطوي على سر النبوة من يومه الأول . .
وهكذا هو الشأن في علي وطفولة علي فإنها تحمل منذ وجودها وتكوينها بذرة الإمامة ، وسر الخلافة من الرسول الأعظم ( ص ) .
ومن أثبت هذه الكرامة لمحمد ، ونفاها عن علي فقد أوقع نفسه في التهافت والتناقض من حيث يشعر ، أو لا يشعر . . وأشرنا فيما سبق ان السبب الأول لمثل هذا التناقض هو الأهواء ، والانحراف عن الطريق القويم .
وبالتالي ، فان الحياة المضيئة الطاهرة منذ الطفولة إلى الممات هي وحدها تؤهل للقيام بعبء الرسالة والإمامة ، اما من سجد لغير اللّه ، ولو مرة واحدة في حياته فما هو للإمامة والخلافة عن الرسول بأهل ، حتى ولو تاب وأناب . .
عقليات إسلامية — صفحة 328
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٣٢٨