وأي عالم لم يمر بهذه التجربة ويخاصمه المكابرون بغير دليل من البديهة والتجربة ، ولا من منطق العقل ، ولا من وحي منزل . وقد ارشدتنا الآية 68 من سورة الحج نفسها انه لا علاج لهذا المرض إلا السكوت والاعراض :
« وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ »
لأنه لا دواء للمرء والاستمساك بالجهل الا التجاهل واللامبالاة . وهل يقهر الجاهل بالحجة والعلم ؟ ! وصدق من قال : « ما حاججت جاهلا الا حجّني » ان الجاهل يدافع عما قال لا لأنه صواب ، بل لأنه قاله وكفى .
أما العلماء فيدركون ان آراءهم ليست هي الواقع بعينه ، بل صورة عنه تخطىء وتصيب . لذا قال بعض العلماء : « لقد حرمت على نفسي أن استعمل قولا يدل على رأي قاطع مثل : قطعا ، وبلا شك . وعلى التحقيق .
وصرت أستعمل بدلا من ذاك : أحسب . وأظن . ويبدو لي . وقد أكون مخطئا ، وما إلى ذاك » « 1 » .
وهذه سبيل من يشعر من نفسه انه عرضة للخطأ والسهو . ومن الناس من لا حجة له الا السيف والنطع ، كالذي خطب بين يدي معاوية حين طلب
هامش
( 1 ) من الخير أن ننقل قاعدة في علم الأصول وهي : إذا تعارض دليلان في موضوع واحد ينظر فان تساويا في القوة من جميع الجهات أسقط كل واحد منهما الآخر ، وتكون النتيجة وكأنه لا دليل يصلح لاثبات أو نفي ، وإذا كان أحدهما أقوى من الآخر أسقط القوي الضعيف ، وبقي وحده حجة بلا معارض . وهذا المبدأ يعمل به كل من طلب الحق لوجه الحق ، وأنصف من نفسه كما انتصف لها . أما من يجادل ليرى الناس أن مرجع القول إليه وحده دون سواه فلا بد أن يجر القصد إلى الضعف والتعنت والقول بغير علم ، وان درس العلوم وألف المجلدات .