وقال آخرون : إن اللّه سبحانه وهب الإنسان هذه القدرة على أن تكون ملكا مطلقا له لا يعارضه فيها أحد حتى اللّه تبارك وتعالى ، لأنه نقلها من سلطانه القاهر إلى سلطان الإنسان تماما كما تنتقل ملكية المتاع من البائع إلى المشتري ، ومن المورث إلى الوارث ، غاية الأمر أنه عزّ وجل أمر العبد أن يستعمل قدرته في الخير لا في الشر ، وترك له الخيار ، إن شاء أطاع ، وإن شاء عصى . . . ويسمى أهل هذا المذهب المفوضية ، أي أن اللّه فوض أمر القدرة لعباده ، وقطع كل علاقة بينه وبينها ، كما يزعمون .
وقال أهل البيت : كلا « لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين » .
والمراد بلا جبر هنا أن افعال الإنسان تستند إلى قدرته مباشرة . والمراد بلا تفويض أن سلطان اللّه على قدرة الإنسان قائم بالفعل وانها تماما كالعارية ينتفع بها المستعير ، وهي على ملك صاحبها المعير ، لأن العبد وما ملكت يداه في قبضة مولاه . هذا هو الأمر بين الأمرين ، أي أن الإنسان يؤمن ويعلم بطاقته القلبية والعقلية ، ويكدح ويعمل بقدرته الجسمية ، ويترك ويفعل بإرادته الشخصية ، وفي الوقت نفسه كل من اللّه ، ولكنه تعالى أذن لعبده أن يتصرف بها في حدود حلاله وحرامه ، فان أطاع فله جزاء من أحسن عملا ، وإن شق العصا فإن اللّه شديد العقاب .
عقليات إسلامية — صفحة 175
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٧٥