تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقليات إسلامية — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وأختم هذا الفصل بكلمة للدكتور محمد شعاد جلال ، نشرتها جريدة الجمهورية المصرية 10 - 7 - 1973 . وهذا نصها بالحرف الواحد : « أمعن القرآن الكريم في الاستدلال بالمصنوعات الكونية ، وظواهر الوجود المتنوعة في الأرض والأنهار والنبات والسحب والأمطار ، واختلاف الألوان والألسنة والجبال والناس ، والانعام وغيرها ، وفي السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والمشارق والمغارب ، مما حفل القرآن بذكره وغدا يكرره ويعيد تكراره دائما . فلفت نظري ذلك وتساءلت : ان الاستدلال على وجود اللّه وحكمته وعلمه بمظاهر الموجودات ودلالتها هو قمة القمم في الفلسفة الإلهية ، والثقافة الدينية العقلانية ، وان تكرار هذا الاستدلال بصورة تمثل نهاية الإمعان والإغراق ، ان هذا ليدل على قصد مقصود ، وباعث عظيم الوعي لهذا الجانب من الاستدلال وايقاظ البصائر والابصار إليه ، ولا يكون مصادفة واتفاقا ، وهو عمل لا يمكن أن يصدر الا عن ثقافة فلسفية ، ودراسات علمية متنوعة ، وتربية ذهنية منطقية للمستدل به ، فأين كانت نشأة محمد ( ص ) وتربيته من هذا الحساب كله ، وهو اليتيم الأمي المنشأ في بيئة جاهلية ، وأمة أمية ؟ لقد كان من المستحيل على محمد ( ص ) ان يلتفت ذهنه بحكم بيئته ومكوناته الطبيعية وانطباعاته الاجتماعية والثقافية ، وأن يتجه وعيه إلى هذا الأسلوب النادر الخفي الدقيق في الاستدلال بصورة تدل على شدة القصد وقوة الوعي ، كأن من المستحيل أن يكون ذلك لو لم يكن نبيا يتلقى وحي ذلك المنهج من السماء ، ومن لدن رب العالمين ، فهذا المنهج من الاستدلال ، وصدوره عمن لا يملك شروطه - دليل قاطع على صدق صاحبه حينما يدعي الوحي والبلاغ عن اللّه رب العالمين » .