سؤال :
وتسأل - أيها القارئ - هل معنى إشادة الاسلام بالعقل انه يدرك صحة كل أصل من أصول الاسلام ، وكل حكم من أحكام الشريعة ، بحيث إذا حققنا ومحصنا أية قضية دينية في ضوء العقل لصدقها وآمن بها ايمانه بأن الاثنين أكثر من الواحد ؟
الجواب :
كلا ، ولو أراد الاسلام هذا من تأييده للعقل لقضى على نفسه بنفسه ، ولكان وجوده كعدمه ، ولوجب أن يؤخذ الدين من العلماء والفلاسفة لا من الأنبياء وكتب الوحي . ان للعقل دائرة ، وللدين أخرى ، وكل منهما يترك للآخر الحكم في دائرته واختصاصه ، على أن يقر كل منهما الآخر ، ولا يعارضه في شيء ، والانسان بحاجة إلى الاثنين ، حيث لا تتم له السعادة والنجاح الا بهما معا .
ان الغرض الأول الذي يهدف اليه الاسلام من الإشادة بالعقل هو ان يؤمن الانسان بما يستقل به من أحكام ، ولا يصدق شيئا يكذبه العقل ويأباه . ان العقل لا يدرك كل شيء ، وانما يدرك شيئا ، ولا يدرك شيئا ، والذي يعلم كل شيء هو اللّه وحده . فوجود اللّه وعلمه وحكمته ، واعجاز القرآن الدال على صدق محمد في دعوته ، وما إلى ذاك يدركه العقل مستقلا ، ويقدم عليه البرهان القاطع . أما وجود الملائكة والجن ، والسير غدا على صراط أدق من الشعرة ، وأحدّ من السيف ، وشهادة الأيدي والأرجل على أصحابها ، وتطاير الكتب ، وسؤال منكر ونكير ، ونحو ذلك مما لا يبلغه الاحصاء ، وثبت بضرورة الدين - أما هذه فلا تفسر بالعلم ، وليس فيه للعقل حكم بالنفي أو الاثبات . ان الدين غير محصور ولا مقصور فيما يدركه العقل ، بل يتعداه إلى أمور غيبية يؤمن بوجودها كل من آمن باللّه والرسول واليوم الآخر .
الاسلام والعقل — صفحة 236
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٢٣٦