وأجابهم من آمن بالحق والعدل : ان الإيمان بالحس هو في الوقت نفسه ايمان بالعقل ، لأن شهادة الحس ليست بشيء لولا العقل ، وإذا جاز الاعتماد على العقل في الحس المباشر جاز الاعتماد عليه في الحس غير المباشر ، والتفكيك تحكّم ، وترجيح بلا مرجح .
ومهما يكن ، فان الغرض من هذا الفصل ان نبين ونؤكد ان الانسان لا يسوغ له أن ينتقد إذا كان أسيرا لمذهب أو نظرية أو تربية أو أي شيء . . ومن هنا حين أراد ديكارت أن يركّز معلوماته على المنطق السليم شك بادىء ذي بدء في كل شيء الا في الشك ، ثم أخذ بالنظر والاستدلال .
وتقول أيضا : ان معنى هذا أن نسد باب النقد من الأساس ، إذ ما من عالم أو فيلسوف الا وله نظرية خاصة ، لا ينفصل عنها ، وينظر إلى الشيء من خلالها ، ويحكم عليه بوحي منها ، وعلى هذا فمن يلتزم دينا معينا ، أو مذهبا خاصا لا يسوغ له أن ينتقد من لا يدين بدينه ويتمذهب بمذهبه .
الجواب :
أولا : ان عدم انفصال المرء عن رغباته لا يعني انه بعيد عن الحق والواقع في كل ما يقول ويفعل ، فان بعض الرغبات تأتي انعكاسا عن الواقع ، وتعبيرا عن الخير ، ولو صح القول بأن الرغبات والتعصبات بكاملها لا تمت إلى الواقع بصلة لما وجد في الانسانية مصلح ، ولا مفكر ، ولا داع إلى الحق والخير . . ولوجب ان يسد باب القضاء والترافع ، لأن كل من يدعي شيئا يرغب فيه ، ، ويتعصب له ، فكما ان القاضي العادل العارف لا يرفض الدعوى اعتباطا ، ولا يحكم بها تشهيا ، وانما يستمع للمدعي ، ويطلب منه البينة والدليل ، ويحكم بما تستدعيه الأصول المقررة . . كذلك علينا نحن ان لا نصدق ، أو نكذب ما نسمع ونقرأ
الاسلام والعقل — صفحة 188
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٨٨