إلا بعد النظر والبحث . وهذا هو النقد بمعناه الصحيح .
ثانيا : ليس العبرة في صحة النقد أن يكون عقل الناقد صحيفة بيضاء ، لم يخط فيها حرف واحد ، وانما العبرة ان يعتمد في نقده على ما هو مقبول في نظر العقل ، أو مسلم به عند الخصم ، فلك أن تنتقد من يقول بأن الأرض مسطحة ، وأنت مؤمن بكرويتها ، على شريطة أن تأتي بالدليل المقنع على بطلان التسطيح وان تقول للمسيحي :
انك تخالف كتابك المقدس لأنك لا تمد خدك الأيمن لمن ضربك على خدك الأيسر ، تقول له هذا ، وان لم تكن مسيحيا . . وان تقول للمسلمين : انكم تخالفون أمر القرآن الكريم :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ،
وان لم تكن مسلما ، ويكون قولك هذا حجة دامغة . .
وبكلمة ، ليس من شرط الناقد ان لا يؤمن ولا يعتقد بشيء ، وانما الشرط ان لا يتخذ من ايمانه واعتقاده معيارا لبطلان العقائد الأخرى ، وان لا تحول عقيدته ونظريته دون العدل ومنطق العقل ، وان يعتمد على الدليل الذي تسالم عليه العقلاء ، أو آمن به الخصم على الأقل ، وبهذا المنطق يقف الناقد موقف المحايد ، وبدونه يعجز عن القيام بمهمة النقد الصحيح ، وان بلغ من العلم ما بلغ .
كتاب وجواب :
كتب إليّ عراقي يقول : انك تهدف مما تكتب إلى هداية الشباب إلى الدين ، وأنا بحمد اللّه مؤمن متدين ، ولست بحاجة إلى من يحببني بالدين ، ولكني لا أرى أي شيء من صميم الدين إلا إذا اعترف به عقلي ، ورآه حسنا ، أما ما ينكره فأعتقد انه ليس من الدين في شيء ، وانما هو من وضع رجال الدين الذين انحرفوا به عن أهدافه السامية ، اما