كنا قد ذكرنا في القسم الأول « اللّه والعقل » نماذج من تلك الأسرار التي أشارت إليها الآيات القرآنية ، ولم يكتشفها العلم إلا بعد ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن ، ونذكر هنا طرفا آخر منها ، مع الاعتراف بأننا لم نبلغ من العلم بها إلا النقل عن علماء الغرب !
لقد عني المسلمون بالقرآن عناية كبرى شملت العديد من نواحيه ، أفاد منها الدين والعلم بشتى فروعه ، فلقد وضعوا خدمة لكتاب اللّه مئات المؤلفات في النحو والصرف والبلاغة والتجويد ومفردات اللغة ، والتفسير والفقه والأصول وعلم الكلام والأخلاق وغيرها . وزخرت المكتبة العربية ، ومكتبات أخرى أجنبية بهذه الكتب ، وما زال المسلمون حتى يومنا هذا يواصلون هذا النشاط .
ولا نغالي إذا قلنا : انه لم يلاق كتاب من الكتب السماوية والأرضية من العناية ما لا قاه القرآن على أيدي المسلمين . ولو أنهم اهتموا بالناحية العلمية في القرآن ، كما اهتموا بغيرها لكنا الآن أمام طائفة من النظريات الرائعة التي تسرع بالحياة نحو الحضارة والمدنية ، ولكانت الحقائق التي نسميها اليوم بالنظريات الحديثة من مخلفات الماضي البعيد .
لقد اهتم المسلمون كثيرا بالكشف عن كنوز الدين والشريعة والأخلاق والفلسفات ، وعن خصائص اللغة مما صرفهم أو كاد عن الحقائق الكونية ، ولعل لهم العذر ، لأن العلم يومذاك كان في دور التكوين أو الانتقال ، على أنهم أخرجوا للناس من ثمرات العلوم ما كان له أطيب الأثر في حياة الجماعة الانسانية وتطورها .
وعلى أي حال ، فلو تسنى للمسلمين أن يهتموا بالعلوم العملية ، كما اهتموا بالعلوم النظرية لكنا في غنى عن البحث والتنقيب عن أقوال الغربيين لنسوق الأدلة المحسوسة على عظمة الكون وحكمة خالقه . ونتعرض هنا لآيتين أحداهما في علم الفلك ، والأخرى في علم الحيوان .
الاسلام والعقل — صفحة 103
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٠٣