من مكانة ، ولا في إنتحال مثلها لنفسه تظاهر بالاعتراف له ، لا لشيء إلّا ليقال :
أنّه منصف لا تمنعه الخصومة من قول الحقّ ومن هذا الباب ما رواه التّباني ، قال :
« أنّ معاوية بكى حتّى بلغه قتل أمير المؤمنين ، فقالت له زوجته فاختة : أنت بالأمس تطعن عليه ، واليوم تبكي عليه ، فقال : ويحك إنّما أبكي لما فقد النّاس من حلمه ، وعلمه ، وفضله ، وسوابقه ، وخيره » « 1 » .
وإنّه بكى أيضا ، وقال : « رحم اللّه أبا الحسن ، كان واللّه كذلك حين سمع ضرار بن ضمرة الكناني يصف الإمام بقوله :
« فإنّه واللّه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدّنيا وزهرتها ، ويأنس باللّيل ، ووحشته ، وكان غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، ويناجي ربّه ، يعجبه من اللّباس ما خشن ، ومن الطّعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن ، واللّه مع تقريبه لنا ، وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له ، ويعظّم أهل الدّين ، ويقرّب المساكين ، ولا يطمع القوّيّ في باطله ، ولا ييأس الضّعيف من عدله .
وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى اللّيل سدوله ، وهو قائم في محرابه ، قابض على لحيته يتململ تململ السّليم ، ويبكي بكاء الحزين « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر ، تحذير العبقري من محاضرات الخضري : 2 / 77 و 78 . ( منه قدّس سرّه ) .
( 2 ) لقد استعمل معاوية أخبث المكائد بعد تسلّطه على الكوفة وسيطرته على أصحاب عليّ عليه السّلام فسعى أن يجلبهم إلى الشّام بشتّى الوسائل من دعوات ودّية تارة ، وهروب من ظلم عمّاله تارة أخرى ، -