وهل يختصّ استحباب غسلهما بما إذا كان الغسل مرتّبا ومن القليل ، فلا يستحبّ من المرتمس ، ولا للمغتسل من الكثير صرّح العلّامة بالإطلاق « 1 » ، وهو محتمل .
وما تضمّنه هذا الحديث وما بعده من إجزاء غسل الجنابة عن الوضوء ، ممّا أطبق عليه علماؤنا « 2 » ، وإنّما الخلاف في غيره من الأغسال ، فقد ساوى المرتضى رضي اللّه عنه في ذلك ، بينها وبينه ، واجبة كانت أو مندوبة « 3 » ، وتبعه ابن الجنيد « 4 » ، وستسمع ما هو الحقّ في ذلك إن شاء اللّه تعالى .
هامش
أبواب الجنابة ، صدر ح 8 . إنّ عملنا على هذا الحديث يكون قرينة على أنّ ما بعد الغاية في الحديث الأول مخالف لما قبلها . « منه رحمه اللّه » .
( 1 ) . نهاية الأحكام 1 : 109 .
( 2 ) . الإجماع على عدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة نقله المحقّق في المعتبر والعلّامة في المنتهى والمختلف وغيرهما .
والأحاديث الدالّة على ذلك كثيرة ، سوى ما تضمّنه هذا الفصل ولاحقه ، كما رواه محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : إنّ أهل الكوفة يروون عن عليّ عليه السّلام أنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة ، قال :
كذبوا على عليّ عليه السّلام ما وجدوا ذلك في كتاب عليّ . قال اللّه تعالىوَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا .وكما رواه ابن أبي عمير عن رجل عن الصّادق عليه السّلام قال : « كلّ غسل قبله وضوء إلّا غسل الجنابة » . وكما رواه عبد اللّه ابن سليمان قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : « الوضوء بعد الغسل بدعة » إلى غير ذلك من الرّوايات . نعم ، روى أبو بكر الحضرميّ عن أبي جعفر عليه السّلام قال : سألته كيف أصنع إذا أجنبت ؟ قال : « اغسل كفّك وفرجك وتوضّأ وضوء الصّلاة ثم اغتسل » .
ولمّا كانت هذه الرواية مخالفة لإجماع الإماميّة حملها الشّيخ على الاستحباب ، ولم أظفر بموافق له على ذلك .
قال شيخنا الشهيد في الذكرى : الأولى حملها على التقيّة ، لأنّ الأصحاب على خلافه ، انتهى . ومع ذلك ففي توثيق أبي بكر الحضرميّ كلام ، والاحتياط يقتضي عدم الإتيان بالوضوء بنيّة الاستحباب أيضا ، لورود الرّوايات بكونه بدعة ، وترك السنّة أولى من الوقوع في البدعة ، وهذا كما قاله بعض الأصحاب فيمن شكّ : هل غسل يده في الوضوء مرّة أو مرّتين أنّه لا يغسلها حذرا من أن تكون ثالثة ، فإنّ ترك المسنون أولى من ارتكاب المحرم .
« منه رحمه اللّه » .
( 3 ) . جمل العلم والعمل : 41 ، ونقله عنه المحقّق في المعتبر 1 : 196 و 361 .
( 4 ) . حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1 : 196 .