في القبر على حاله الذي تركناه عليه ولا نرى معه شيئا من تلك الحيّات والعقارب ، فكيف يمكن التصديق بما يخالف المشاهدة ؟
فاعلم انّ عدم سماعك ومشاهدتك شيئا من ذلك في عالم الملك لا يمنع من التصديق به ، فإنّ هذه الأمور من عالم الملكوت وهذه الاذن والعين لا يصلحان لسماع الأمور الملكوتية ومشاهدتها ، بل إنّما تدرك تلك الأمور بجنس آخر من الحواس . أما ترى الصحابة كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل عليه السّلام على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويذعنون بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يشاهده وهو يخاطبه وهم لا يشاهدونه ولا يسمعون خطابه . فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهمّ ، وأوجب عليك من تصحيح الإيمان بعذاب القبر إن كنت آمنت بذلك وجوّزت أن يشاهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما لا تشاهده الامّة ويسمع ما لا يسمعونه ، فجوّز مثل ذلك فيما نحن فيه أيضا .
وممّا يكسر سورة استبعادك أن تتفكّر في حال النائم في مجلس فيه جماعة ، فإنّه قد يرى في منامه أنّ عقارب وحيّات تلدغه أو أنّ أشخاصا يعاقبونه بأنواع العقارب ويصرخون عليه بأصوات هائلة وهو يتألّم من ذلك غاية التألّم ويتأذّى به نهاية التأذّي ، وربّما يصيح في أثناء النوم ويرتعد ويغرق من شدّة الاضطراب ، مع أنّ الجماعة الجالسين حوله لا يسمعون شيئا من تلك الأصوات ولا يرون شيئا من تلك الحيّات والعقارب والأشخاص التي يسمعها هو يشاهدها في النشأة المنامية ، فقس على ذلك عذاب القبر وحيّاته . وغرضنا من هذا مجرّد التشبيه والتنبيه ، وليس القصد أنّ حيّات القبر وعقاربه خياليّة أيضا كحيّات المنام وعقاربه . هيهات فإنّها أشدّ وأدهى من حيّات اليقظة وعقاربها ، بل نسبتها إليها كنسبة حيّات اليقظة وعقاربها إلى حيّات النوم وعقاربه ، فإنّ الناس
الأربعون حديثا — صفحة 486
مساهمون: الشيخ البهائي العاملي
ص٤٨٦