يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
« 1 » . أراد عليه السّلام أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يرضى وواحد من امّته في النار .
والأحاديث الواردة في سعة عفو اللّه وجزيل رحمته ووفور مغفرته كثيرة جدّا ، ولكن لا بدّ لمن يرجوها ويتوقّعها من العمل الخالص المعدّ لحصولها وترك الانهماك في المعاصي المفوّت لهذا الاستعداد ، كمن ألقى البذر في أرض وساق إليها الماء في وقته ونقّاها من الشوك والأحجار وبذل جهده في قلع النباتات الخبيثة المفسدة للزرع ثمّ جلس ينتظر كرم اللّه ولطفه سبحانه مؤمّلا أن يحصل له وقت الحصاد مائة قفيز مثلا . فهذا هو الرجاء الممدوح . وأمّا من تغافل عن الزراعة واختار الراحة طول السنة وصرف أوقاته في اللهو واللعب ثمّ جلس ينتظر أن ينبت اللّه له زرعا من دون سعي وكدّ وتعب وكان طامعا أن يحصل له كما يحصل لصاحبه الذي صرف ليله ونهاره في السعي والكدّ والتعب ، فهذا حمق وغرور لا رجاء .
فالدنيا مزرعة الآخرة ، والأرض القلب ، والإيمان البذر ، والطاعات هي الماء الذي يسقى به الأرض . وتطهير القلب من المعاصي والأخلاق الذميمة بمنزلة تنقية الأرض من الشوك والأحجار والنباتات الخبيثة ، ويوم القيامة هو وقت الحصاد .
فاحذر أن يغرّك الشيطان ويثبّطك عن العمل ويقنعك بمحض الرجاء والأمل ، وانظر إلى حال الأنبياء والأولياء واجتهادهم في الطاعات وصرفهم العمر في العبادات ليلا ونهارا ، أما كانوا يرجون عفو اللّه ورحمته ؟ بلى واللّه إنّهم كانوا أعلم بسعة رحمة اللّه وأرجى لها منك ومن كلّ أحد ، ولكن علموا أنّ رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض وسفه بحت ، فصرفوا في العبادات أعمارهم ، وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم .
هامش
( 1 ) الضحى : 5 .