كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ
« 1 » من أنّه بتأويل أردنا إهلاكها ، أو على ما ذكره بعض المحقّقين من النحاة من أنّ التعقيب في الفاء على نوعين : حقيقي معنوي نحو : جاء زيد فعمر ، ومجازي ذكري وهو عطف مفصّل على مجمل كقوله تعالى :
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
« 2 » ونحو قولك : توضّأت فغسلت وجهي ويديّ ومسحت رأسي ورجلي ، فانّ التفصيل حقّه أن يتعقّب الإجمال .
إنّه قد أقبل إليكم شهر اللّه : تأكيد الحكم ب « انّ » مع أنّ قرب شهر رمضان ممّا لا ينكره المخاطب ولا يتردّد فيه لعلّه من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بجعل غير المنكر كالمنكر إذا لاح عليه شيء من أمارات الإنكار ، كقوله : « إنّ بني عمّك فيهم رماح » فالمخاطبون كأنّهم لمّا لم يستعدّوا ولم يتهيّأوا لدخوله بالخروج من المظالم والتبعات وتهيئة الأقوات لتفطير الصائمين والصدقات ولم يحصل لهم الفرح والاستبشار بإقبال هذا الشهر العظيم الذي يغفر فيه الخطيئات وتستجاب فيه الدعوات جعلوا كأنّهم منكرون لإقباله عليهم فخوطبوا خطاب المنكر ، مع المبالغة في التأكيد بالإبهام بضمير الشأن ثمّ التفسير بقد التحقيقية .
ولا يبعد كون التأكيد جاريا على مقتضى الظاهر نظرا إلى أنّ الحكم ليس مجرّد إقبال الشهر ، بل هو إقباله مصاحبا للبركة والرحمة والمغفرة .
ولعلّ هذا الحكم المقيّد ممّا يشكّ فيه بعض الحاضرين أو ينكره بعض المنافقين فخطابهم جميعا بالحكم المؤكّد من قبيل تغليب المتّصف بأمر على غير المتّصف به .
وإسناد الإقبال إلى الشهر مجاز عقلي . ولك أن تجعل التجوّز في الطرف لا في النسبة ، إمّا في المسند بجعل الإقبال مجازا عن القرب أو في
هامش
( 1 ) الأعراف : 4 .
( 2 ) هود : 45 .