في نفسه من حيث لا يقدر عليه من القادرين أحد وليس كذلك قبيل الاعتقادات لأنه مقدور في نفسه لمن هو انقص حيالا من القديم تعالى في باب القدرة فأولى واحرى ان يكون تعالى قادرا عليه فان قيل فإذا كان التكليف زائلا عنهم فكيف امرهم تعالى بقوله
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
قلنا قيل إن هذا اللّفظ وان كان صيغة الامر فليس بأمر على الحقيقة بل يجرى مجرى الإباحة والإباحة لها صورة الامر وقيل أيضا انه امر وانه تعالى أراد من أهل الجنّة الاكل والشرب على سبيل الزيادة في ملاذهم وسرورهم لا على سبيل التكليف فان قيل فكيف تقولون في شكر أهل الجنّة لنعم اللّه تعالى أو ليس هو لازم لهم قلنا اما ما يرجع إلى القلب من الشكر فهو يحصل في قلوبهم ضرورة لأنه يرجع إلى الاعتقادات وما يرجع إلى اللّسان منه فلا كلفة فيه وربما كان مثله في اللّذة لان أحدنا يلتزّ ويسرّ بالتحدّث بنعم اللّه عليه لا سيّما إذا كان وصولها اليه بعد شدة ومدى طويل من الزمان واما افعال أهل الجنّة فالصّحيح انها واقعة منهم على سبيل الاختيار وان كانوا ملجئين إلى الامتناع من القبح بخلاف ما قاله أبو الهذيل فإنه كان يذهب إلى أن افعالهم ضروريّة والّذى يدل على صحّة ما اخترناه انه لا بد ان يكونوا مع كمال عقولهم ومعرفتهم بالأمور ممن يخطر القبيح بقلبه ويتصوّره وهم قادرون عليه لا محالة ولا يجوز ان يخلّى بينهم وبين فعله فلا يخلون من أن يمنعوا من فعل بأمر وتكليف أو بالجاء على ما اخترناه أو بان يضطروا إلى خلافه على ما قاله أبو الهذيل لا يجوز ان يكونوا مكلّفين لما تقدم ذكره ولا مضطرين على ما قاله أبو الهذيل لان المضطر مستنقص اللّذة غير خال من تنقيص وتكدير لكونه مضطرّا ولان التصرف على اختياره فيما يتناول ما يشتهيه وينقله من حال إلى حال باختياره أزيد في لذاته وادخل في تمتعه وسروره وانما يرغب اللّه تعالى في اللذات الواصلة في الجنة على الوجه المعتاد في الدنيا فلم يبق بعد ذلك الا انهم ملجؤن إلى الامتناع من القبيح والّا جاز وقوعه منهم فاما ما ظن أبو الهذيل انهم متى لم يكونوا مضطرين إلى افعالهم كانت عليهم فيها مشقة وهم من حيث تكلفوا الافعال وقد رأى ان قوله بذلك ادعى إلى تخليص الثواب من الشوايب فقد بيّنا ان الذي تنقص اللّذة وهم كونهم مضطرّين لا مختارين وان ينل الملتذ ما يناله من اللذات باختياره وايثاره أكمل اللذمة وأقوى لمنفعته فاما الكلفة في الافعال فهي مرتفعة عنهم لأنهم ينالون ما