من نفس وجودهما ، دون أن تكون علتهما قضية استحالة اجتماع النقيضين .
أجل ؛ إن التفات الفرد إلى نقيض هذه الحالات التي يحسّ بها يدعوه إلى
نفى نقيضها ، وهو غير متحصل دون الاتكاء على أولى الأوائل .
قال المصنف في » أصول الفلسفة « : « تفترق النظريات عن البديهيات في أنَّ النظريات تحتاج في كسب الصورة والمادة إلى ما سواها ، بينا تتوفر البديهيات بنفسها على المادة والصورة . . . فحاجة كل قضية إلى قضية استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعها . . . تختلف عن حاجة النظري إلى البديهي ، الذي هو حاجة مادية وصورية . . .
إنَّ توقف النظري على البديهي إما أن يكون تولد مادة من مادة ، وإما أن يكون في تولد صورة من صورة . ولا علاقة له بتوقف حكم على حكم آخر . أما توقف جميع القضايا على قضية استحالة اجتماع وارتفاع النقيضين فهو توقف العلم والحكم ، لا توقف المادة والصورة » « 1 » .
ومن هنا يظهر خلافاً لما يظهر من المصنف في نصّ النهاية بأنَّ الشك في أم القضايا لا يؤدى إلى انهيار العلم من رأسه ؛ بداهة أنَّ توقف القضايا عليها ليس لأجل إثباتها ، وهو هدف اليقين الأول ، بل هو لنفى نقيضها ، والذي هو هدف اليقين الثاني ، وإذا كان الأمر كذلك فالشك فيها يفتح الباب أمام إمكان نقيض القضية ، فيحتمل صدق القضية وصدق نقيضيها أيضاً ، وهو مؤدّ إلى بطلان العلم من أساسه .
وبذلك يندفع إشكال كيفية تشكيل قياس من مقدمة واحدة ، الأمر الذي لا يمكن قبوله في المنطق الأرسطى ، فإننا نعرف بأنَّ كل قياس يجب أن تُفرض فيه مقدمتان [ كبرى وصغرى ] ، فلابد من فرض امتلاكنا لأصل بديهي آخر
هامش
( 1 ) أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 459460 .