تتوصَّلُ إلى الحكم الذي هو جعلُ الموضوعِ هو المحمولَ بتصوُّرِ المحمولِ منتسباً إلى الموضوعِ أولًا ؛ ليتأتَّى منها الحكمُ . ويدلُّ على ذلك خلوُّ الهليّاتِ البسيطةِ عن النسبةِ الحكميةِ ، وهى قضايا كما تقدّمَ . فالقضيةُ بما هي قضيةٌ ، لا تحتاجُ في تحقُّقِها إلى النسبةِ الحكميةِ ، هذا .
4 حقيقة الحكم :
وأما كونُ الحكمِ فعلًا نفسانياً في ظرفِ الإدراكِ الذهنىِّ ، فحقيقتهُ في قولِنا : زيدٌ قائمٌ مثلًا أنَّ النفسَ تنالُ من طريقِ الحسِّ أمراً واحداً هو زيدٌ القائمُ ، ثمَّ تنالُ عمراً قائماً وتنالُ زيداً غيرَ قائمٍ ، فتستعدَّ بذلكَ لتجزئةِ زيدٍ القائمِ إلى مفهومَى زيدٍ والقائمِ ، فتجزِّئَ ، وتخزنُهما عندَها . ثمّ إذا أرادتْ حكايةَ ما وجدتْهُ في الخارجِ أخذتْ زيداً والقائمَ المخزونَين عندَها وهما اثنانِ ، ثمّ جعلَتْهُما واحداً ، وهذا هو الحكمُ الذي ذكرنا أنه فعلٌ أي جعلٌ وإيجادٌ منها
تحكى به الخارجَ .
فالحكمْ فعلٌ مِنَ النفسِ ، وهو مع ذلك مِنَ الصُّوَرِ الذهنيةِ الحاكيةِ لما وراءَها . ولو كان تصوراً مأخوذاً مِن الخارجِ لم تكن القضيةُ مفيدةً لصحّةِ السكوتِ ، كما في أحَدِ جزئَىِ الشرطيةِ . ولو كان تصوّراً أنشأتْهُ النفسُ من عندِها مِن غيرِ استعانةٍ واستمدادٍ من الخارجِ ، لم يحكِ الخارجَ . وسيوافيك بعضُ ما يتعلَّقُ بالمقام .
وقد تبيَّنَ بما مرَّ : أنّ كلَّ تصديقٍ يتوقّفُ على تصوُّراتٍ أكثرَ مِن واحدٍ ، فلا تصديقَ إلا عن تصوُّرٍ .
شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول ) — صفحة 248
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٨