العقليةِ الكليّةِ ؛ وذلك لما تقدّمَ أنّ هذه الصورَ العلميّةَ مجردةٌ مِن المادّة ، مفاضةٌ للنفسِ ، فلَها مفيضٌ . ومفيضُها إما : هو النفسُ ، تفعلُها وتقبلُها معاً . وإما : أمرٌ خارج مادىٌّ ، أو مجردٌ .
أما كونُ النفسِ هي المفيضةَ لها ، الفاعلةَ لها ، فمحالٌ ؛ لاستلزامِه كونَ الشىءِ الواحدِ فاعلًا وقابلًا معاً ، وقد تقدّمَ بطلانُه .
وأما كونُ المفيضِ أمراً مادّيّاً فيُبطلُه أنَّ المادّىَّ أضعفُ وجوداً من المجرّدِ ، فيمتنعُ أن يكونَ فاعلًا لها ، والفاعلُ أقوَى وجوداً مِن الفعلِ .
على أنَّ فعلَ العللِ المادّيّةِ مشروطٌ بالوَضْعِ ، ولا وضعَ لمجردٍ .
فتعيّنَ أنَّ المفيضَ لهذهِ الصورِ العقليةِ ، جوهرٌ مجردٌ عقلىّ ، هو أقربُ العقولِ المجردةِ من الجوهرِ المستفيضِ ، فيه جميعُ الصورِ العقليةِ المعقولةِ عقلًا إجماليّاً ، تتّحدُ معهُ النفسُ المستعدَّةُ للتعقُّلِ على قدرِ استعدادِها ، فتستفيضُ منه ما تستعدُّ له مِن الصورِ العقليةِ .
فإن قلتَ : هَبْ أنَّ الصورَ العلميةَ الكلّيةَ بإفاضةِ الجوهرِ المفارقِ ؛ لما تقدّمَ من البرهان ، لكنّ ما هو السببُ لنسبةِ الجميعِ إلى عقلٍ واحدٍ شخصىٍّ ؟ هلّا أسندُوها إلى عقولٍ كثيرةٍ ، مختلفةِ الماهياتِ ، بنسبةِ كلِّ واحدٍ مِن الصورِ إلى
جوهرٍ مفارقٍ غيرِ ما يَنسبُ إليه [ غيرُه ] ، أو بنسبةِ كلِّ فريقٍ مِن الصورِ إلى عقلٍ غيرِ ما يَنسبُ إليه فريقٌ آخرُ ؟
قلتُ : الوجهُ في ذلك ما تقدّمَ في الأبحاثِ السابقة أنَّ كلَّ نوعٍ مجردٍ منحصرٌ في فردٍ ، ولازمُ ذلك أنَّ سلسلة العقول التي يُثبتُها البرهانُ ويُثبتُ استنادَ وجودِ المادّياتِ والآثارِ الماديةِ إليها كلَّ واحدٍ من حلقاتِها نوعٌ منحصرٌ في فردٍ ، وأنَّ كثرتها كثرةٌ طوليةٌ مترتّبةٌ ، منتظمةٌ من عللٍ فاعلةٍ ، آخذةٍ مِن أول ما صدرَ منها مِن المبدأِ الأوّلِ ، إلى أن ينتهىَ إلى أقربِ العقولِ من المادياتِ
شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول ) — صفحة 233
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣٣