تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
تعريف الكلى والجزئي باصطلاح آخر فالكلّىُّ : هو العلمُ الذي لا يتغيّرُ بتغيّرِ المعلوم الخارجىِّ ، كصورةِ البناءِ التي يتصوَّرُهَا البنّاءُ ، فيبنى عليها ، فإنها على حالِها قبل البناءِ ، ومعَ البناءِ ، وبعدَ البناءِ ، وإن انعدمَ . ويسمَّى : علمَ ما قبلَ الكثرة . والعلمُ من طريقِ العللِ كلىٌّ مِن هذا القبيل ، كعلمِ المنجّمِ بأنَّ القمرَ منخسفٌ يومَ كذا ، ساعةَ كذا إلى ساعةِ كذا ، يرجعُ فيهِ الوضعُ السماوىُّ ، بحيثُ يوجِبُ حيلولةَ الأرضِ بينَ القمرِ والشمسِ ، فعلمُه بذلكَ على حالهِ ، قبلَ الخسوفِ ، ومعَه ، وبعدَه . والوجهُ فيه : إنَّ العلّةَ التّامةَ في علّيتِها لا تتغيّرُ عما هي عليه ، ولمّا كان العلمُ بها مطابقاً للمعلوم ، فصورتُها العلميةُ غيرُ متغيّرةٍ ، وكذلك العلمُ بمعلولِها لا يتغيّرُ ، فهو كلىّ ثابتٌ . ومن هنا يظهرُ : أنَّ العلمَ الحسِّىَّ لا يكونُ كلياً ؛ لكونِ المحسوساتِ متغيّرةً . والجزئىُّ : هو العلمُ الذي يتغيّرُ بتغيّرِ المعلومِ الخارجىِّ ، كعلمِنا من طريقِ الرؤيةِ بحركةِ زيدٍ ما دامَ يتحرّكُ ، فإذا وقفَ عنِ الحركةِ تغيّرَ العلمُ ، ويسمّى : علمَ ما بعدَ الكثرة . فإن قيلَ : تغيُّر العلم كما اعترفْتُم به في القسمِ الثاني دليلُ كونِه مادياً ؛ فإنَّ التغيّرَ وهو الانتقالُ من حالٍ إلى حالٍ لازمُه القوَّةُ ، ولازمُها المادّةُ ، وقد قلتُم : إنَّ العلمَ بجميع أقسامِه مجردٌ ؟ قلنا : العلمُ بالتغيّرِ غيرُ تغيّرِ العلم ، والتغيّرِ ثابتٌ في تغيُّرِه ، لا متغيّرٌ ، وتعلّقُ العلمِ بالمتغيّرِ أي حضورُه عندَ العالمِ إنما هو مِن حيثُ ثباتِه ، لا تغيّرِه ؛ وإلا لم يكنْ حاضراً ، فلم يكنْ حضورُ شىءٍ لشىءٍ ، هذا خلفٌ .