بعدما انتهى المصنّف من بيان عالَمي العقل والمثال وبيان خصائصهما ، عطف الكلام إلى البحث حول العالم الأخير ، وهو عالم المادّة على ما يقتضيه تسلسل البحث . ومن الجدِّير بالذِّكر أنّ البحث حول عالم المادّة لا ينحصر في هذا الفصل ؛ لأنّ الكثير من الأبحاث المتعلِّقة بعالم المادّة قد تقدّمت في بعض
الفصول المتقدِّمة ، من قبيل البحث في القوّة والفعل ، والبحث عن الواحد والكثير ، والبحث في الجوهر والعرض والحركة والسكون والزمان والمقولات وبعض أحكام العلّة وأقسامها ، وكذا البحث في أقسام الوجود ، ونحو ذلك من الأبحاث المرتبطة بعالم المادّة .
وفي هذا الفصل تعرّض المصنّف إلى بيان خصائص هذا العالم من قبيل تعلّق الصور النوعيّة بالمادّة ، وتوقّف الصور على الاستعداد وأنّ كمالات الأنواع المادّية بالقوّة في أوّل وجودها ، وبيان حكومة الروابط بين أجزاء هذا النظام ، وأنّ غاية حركة العالم المادّي هو التجرّد عن المادّة ، وكون حركته في جوهره وذاته ، وكذا كيفيّة ربط عالم المادّة المتحرّك بعلّته غير المتحرِّكة .
خصائص عالم المادّة
لا يخفى أنّ عالم المادّة يطلق عليه العالم المحسوس ؛ لأجل أنّ بعض موجوداته محسوسة بذاتها ، كالكيفيّات المحسوسة ، وبعضها معلوم بواسطة الحسّ ، وإن لم يكن معلوماً بذاته ، كوجود الجسم فإنّه غير معلوم بذاته ؛ لأنّه جوهر لا يدرك بالحسّ ، وما يدرك منه هو أعراضه ، ومن أهمّ خصائص عالم المادّة التي تميّزه عن غيره :
الخصوصيّة الأولى : تعلّق الصور النوعيّة بالمادّة ذاتاً وفعلًا أو تعلّقها بالمادّة فعلًا لا ذاتاً كالنفس ، فإنّها تتعلّق بالمادّة فعلًا ، أمّا ذاتها فليس لها تعلّق بالمادّة كما تقدّم الكلام عنها في الفصول المتقدِّمة .