وهو العالمُ المحسوسُ ، أخسُّ مراتبِ الوجودِ ، ويتميّزُ عن العالمينِ ، عالمِ العقلِ وعالمِ المثالِ ، بتعلّقِ الصورِ فيه ذاتاً وفعلًا أو فعلًا بالمادّةِ وتوقّفِها على الاستعداد ، فما للأنواعِ التي فيه من الكمالاتِ هي
في أوّلِ الوجودِ بالقوّةِ ، ثمّ يخرجُ إلى الفعليّةِ بالتدريج ، وربما عاقَها من كمالِها عائقٌ ، فالعللُ فيه متزاحمةٌ متمانعةٌ .
وقد عثرتِ الأبحاثُ العلميّةُ الطبيعيّةُ والرياضيّةُ إلى هذهِ الأيّامِ على شيءٍ كثيرٍ مِن أجزاءِ العالمِ والنِسبِ التي بينَها ، والنظامِ الجاري فيها ، ولعلَّ ما هو مجهولٌ منها أكثرُ ممّا هو معلومٌ .
وقد تبيّنَ في الأبحاثِ السابقةِ أنّ عالمَ المادّةِ بما بين أجزائِه مِن الارتباطِ والاتّصالِ واحدٌ سيّالٌ في ذاتِه ، متحرِّكٌ في جوهرِه ، ويشايعُه في ذلك الأعراضُ . والغايةُ التي تنتهي إليها هذه الحركةُ العامّةُ هي التجرّدُ ، على ما تقدّمتِ الإشارةُ إليه في مرحلةِ القوّةِ والفعل .
وإذ كان هذا العالمُ حركةً ومتحرّكاً في جوهرِه ، سيَلاناً وسيّالًا في وجودِه ، وكانت هويّتُه عينَ التجدّدِ والتغيّر ، لا شيئاً يطرأُ عليه التجدّدُ والتغيّرُ ، صحَّ ارتباطُه بالعلّةِ الثابتةِ التي تنزّهُ عن التجدّدِ والتغيّر . فالجاعلُ الثابتُ الوجودُ جعل ما هو في ذاتِه متجدّدٌ متغيّرٌ ، لا أنّه جعلَ الشيءَ متجدّداً .
وبذلك يرتفعُ إشكالُ استنادِ المتغيّرِ إلى الثابتِ ، وارتباطُ الحادثِ بالقديم .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 393
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٩٣