تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
والمجموع من وجوده مجهّز بما يلائم كماله وسعادته تجهيزاً لا أتمّ ولا أكمل منه ، يعطى أن كلًّا منها حسن في نفسه حسناً لا أتمّ وأكمل منه بالنظر إلى نفسه . وأمّا ما نرى من المساءة والقبح في الأشياء فلأحد أمرين : إمّا لكون الشيء السيّئ ذا عنوان عدميّ يعود إليه المساءة لا لوجوده في نفسه كالظلم والزنا ، فإنّ الظلم ليس بسيّئ قبيح بما أنّه فعل من الأفعال بل بما أنّه مبطل لحقّ ثابت ، والزنا ليس بسيّئ قبيح من جهة نفس العمل الخارجي الذي هو مشترك بينه وبين النكاح ، بل بما أنّ فيه مخالفة للنهي الشرعي ، أو للمصلحة الاجتماعيّة ، أو بقياسه إلى شيء آخر فيعرضه المساءة والقبح من طريق المقايسة كقياس الحنظل إلى البطيخ وقياس الشوك إلى الورد وقياس العقرب إلى الإنسان ، فإنّ المساءة إنّما تطرأ هذه الأشياء من طريق القياس إلى مقابلاتها ثمّ قياسها إلى طبعنا ، ويرجع هذا الوجه من المساءة إلى الوجه الأوّل بالحقيقة . وكيف كان فالشيء بما أنّه موجود مخلوق لا يتّصف بالمساءة . ويدلّ عليه قوله :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
إذا انضمّ إلى قوله :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
( الزمر : 62 ) فينتجان أوّلًا : أنّ الخلقة تلازم الحسن ، فكلّ مخلوق حسن من حيث هو مخلوق » « 1 » . وقال الطبرسي في تفسيره الآية المباركة : « أي أتقن خلقه وسوّاه على ما تقتضيه الحكمة ، وحسنه ظاهر » « 2 » . وقال ابن عاشور التونسي في معرض حديثة عن الآية المباركة وما تتحرّك فيه من سياقٍ ، حريّ بالتأمّل لما يتضمّنه من دليل يكشف عن دقيق صنع الله
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، العلّامة الطباطبائي : ج 16 ، 249 . ( 2 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت : ج 5 ص 257 .