تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
ماهيّة ووجود ، وأنّ العقل يجعل الماهيّة موضوعاً متقدِّماً والوجود محمولًا متأخّراً ، ومن الواضح أنّ مثل هذا التقدّم ليس تقدّماً خارجيّاً ، وإنّما هو تحليل عقليّ ، وهو لا يستلزم التقدّم الحقيقي للماهيّة على الوجود . وفي المقام ، إذا كانت الماهيّة علّة فاعليّة للوجود العيني فهذا يستلزم التأثير الحقيقي في الوجود ، ويترتّب على ذلك لزوم تقدّمها بالوجود على معلولها . إلّا أنّنا ذكرنا إن كان المراد من « أنّ الماهيّة مقتضية لوجودها » ، هو الاقتضاء والعلّية الخارجيّة ، فإشكال المصنّف وارد ، أمّا إذا كان المراد هو الاقتضاء والعلّية التحليليّة ، فلا يرد عليه ما ذكر في المقام . الثالثة : إنّ الماهيّة لمّا كانت علّة لكثير من لوازمها ، ومنها الوجود ، إذن فما الفرق بين أن تكون علّة لصفة دون صفة . وأجيب عن ذلك بأنّ فيه خلطاً بين ما يحتاج في وجوده إلى علّة ، وبين ما ليس كذلك . الرابعة : وهي المناقشة التي أوردناها على الدليل الأوّل ، أي أنّه لا دليل على أنّ كلّ ما له ماهيّة فهو ممكن الوجود . 10 الدليل الثالث على نفي الماهيّة عن الواجب هو : لو كان للواجب ماهيّة لاندرجت تحت مقولة الجوهر ؛ لأنّ الماهيّة لا تخلو من كونها إمّا جوهراً وإمّا عرضاً ولا ثالث لهما ، ولو كانت عرضاً فهي تحتاج إلى الجوهر في وجودها . والتالي باطل ، فالمقدّم مثله . أمّا بطلان التالي فلأنّه لو اندرج الواجب تحت ماهيّة الجوهر يلزم احتياج الواجب إلى فصل يحصّله ويخصّصه ؛ لأنّ الجوهر جنس وماهيّة ناقصة تحتاج في تحصّلها وتخصّصها إلى فصل ، هذا أوّلًا . وثانياً يلزم أن يكون الواجب ممكناً ؛ لاشتراك الجنس والنوع في ما يجوز وما لا يجوز ، وحيث إنّ بعض أنواع الجوهر ممكن كالإنسان مثلًا فيكون الجوهر الذي هو جنسه ممكناً أيضاً ؛ ممّا يستلزم أن يكون للواجب جهة إمكانيّة ، وهو محال ؛ لأنّ واجب الوجود واجب الوجود من جميع الجهات كما تقدّم . 11 المناقشة التي نسجّلها على هذا الاستدلال هي عدم تماميّة ما اتّكأ عليه من القول بانحصار الماهيّات بالجوهر والعرض ؛ لأنّ انحصار الماهيّات بالجوهر والعرض مختصّ بالماهيّات المركّبة من الأجناس والفصول ، أمّا الماهيّات البسيطة غير المركّبة فلا جنس ولا فصل لها وغير داخلة تحت مقولة أصلًا . وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون للواجب ماهيّة بسيطة غير مندرجة تحت مقولة . 12 بعد مناقشة جميع الأدلّة التي أقامها المصنّف ، يمكن لنا أن نقدّم دليلًا على نفي الماهيّة على الواجب ، حاصله : لو كان للواجب ماهيّة لكان محدوداً ، لأنّ الماهيّة حدّ الوجود كما تقدّم ومن ثمّ أمكن فرض ما هو أعلى من الواجب تعالى ، ويكون ما فرض أعلى منه حاصلًا بالفعل ؛ لأنّ كلّ ما أمكن للواجب بالإمكان العامّ فهو ثابت له بالفعل كما تقدّم بيانه وعلى هذا يلزم أن يكون الواجب معلولًا لما هو أعلى منه ، والمعلوليّة تنافي الوجوب بالذات ، وبهذا يتّضح أنّ الواجب لا حدّ له ولا ماهيّة .