فرض فهو أثره و ليس فى العين إلّا وجود جواهر و آثارها و النّسب و الرّوابط التّى بينها ، و لا مستقلّ فى وجوده إلّا الواجب بالذّات و لا مفيض للوجود إلّا هو .
فقد تبيّن بما تقدّم أنّ الواجب تعالى هو المجرى لهذا النّظام الجارى فى نشأتنا المشهودة و المدبّر بهذا التدبير العامّ المظلّ على اجزاء العالم . و كذا النّظامات العقليّة النّوريّة التّى فوق هذا النّظام و بحذائه على ما يليق به حال كلّ منها حسب ماله من مرتبة الوجود . فالواجب لذاته ربّ للعالم مدبّر لأمره بالايجاد بعد الايجاد ، و ليس للعلل المتوسّطة إلّا أنّها مسخّرة للتّوسّط من غير استقلال و هو المطلوب فمن المحال أن يكون فى العالم ربّ غيره لا واحد و لا كثير .
على أنّه لو فرض كثرة الأرباب المدبّرين لأمر العالم ، كما يقول به الوثنيّة ، أدّى ذلك إلى المحال من جهة أخرى و هى فساد النّظام .
بيان ذلك أنّ الكثرة لا تتحقّق إلّا بالآحاد و لا آحاد إلّا مع تميّز البعض من البعض و لا يتمّ تميّز إلّا - باشتمال كلّ واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتيّة يفقدها الواحد الآخر فيغاير بذلك الآخر و يتمايزان ، كلّ ذلك بالضّرورة . و السّنخيّة بين الفاعل و فعله تقضى بظهور المغايرة بين الفعلين حسب ما بين الفاعلين . فلو كان هناك أرباب متفرّقون ، سواء اجتمعوا على فعل واحد أو كان لكلّ جهة من جهات النّظام العالمىّ العامّ ربّ مستقلّ فى ربوبيّته كربّ السّماء و الأرض و ربّ الانسان و غير ذلك ، أدّى ذلك إلى فساد النّظام و التّدافع بين أجزائه ، و وحدة النّظام و التّلازم المستمرّ بين أجزائه تدفعه .
فان قيل : إحكام النّظام و إتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أنّ التدبير الجارى تدبير عن علم و الاصول الحكميّة القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل مجرّدة عالمة يؤيّد ذلك . فهب أنّ الأرباب المفروضين متكثرة الذوات و متغايرتها و يؤدّى ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال و تدافعها ، لكن من الجائز أن يتواطئوا على التسالم و هم عقلاء و يتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد و تحفّظا على بقائه
قلت : لا ريب أنّ العلوم التّى يبنى عليها العقلاء أعمالهم صور علميّة و قوانين كلّيّة مأخوذة من النّظام الخارجىّ الجارى فى العالم . فللنّظام الخارجىّ نوع تقدّم على تلك الصّور
شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 475
مساهمون: الشيخ حسين الحقاني
ص٤٧٥