في جميع القضايا وبطل العلم من أصله .
ويتفرّع على ذلك :
أوّلا : أنّ لنا في كلّ قضيّة مفروضة ، قضيّة حقّة ، إمّا هي نفسها ، أو نقيضها .
شرح
- مقدّمته الثانية استثناء عين المقدّم أو التالي ؛ تقول - مشيرا إلى قولنا الكلّ أعظم من الجزء مثلا - إمّا أن يصدق إيجاب هذه القضيّة أو يصدق سلبها ، لكن يصدق إيجابها ؛ فينتج أنّه لا يصدق سلبها . ويحصل بذلك امتناع نقيضها ، وهو العلم .
إن قلت : كيف تكون البديهيّات بديهيّة عندما يكون حصول العلم بها متوقّفا على قياس استثنائيّ ؟ أوليس كل ما يحصل العلم به بحجّة نظريّا ؟ !
قلت : النظريّ هو ما يحتاج إلى اكتساب وفكر ، والفكر حركات ثلاث : حركة العقل من المطلوب إلى المعلومات ، وحركته بين المعلومات واختيار ما يصلح لتأليف قياس يثبت المطلوب ، وحركته من المعلومات المختارة إلى المطلوب ، وهذا إنّما يحتاج اليه فيما إذا لم يكن القياس بنفسه حاضرا لدى الذهن ، وأمّا فيما يكون قياسه حاضرا مرتكزا في الذهن فلا يحتاج فيه إلى اكتساب وفكر ، فهو بديهيّ .
ويمكن الردّ عليه :
أوّلا : بأنّ مقتضى ما ذكر رجوع جميع البديهيّات إلى الفطريّات .
وثانيا : بأنّ مقتضى انتهاء جميع النظريّات والبديهيّات إليها أن تنتهي نفسها إلى نفسها ؛ فإنّ قضيّة « إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب » أيضا قضيّة بديهيّة لا يحصل العلم بها إلّا إذا علم امتناع نقيضها ، ولا يعلم امتناع نقيضها إلّا إذا علم قولنا « إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب » .
هذا .
فالحقّ أن يقال : إنّ العلم إذا فسّر بالاعتقاد الجازم المطابق للواقع الحاصل عن علّته ، فكلّ قضيّة إنّما يحصل العلم بها من علّته الخاصّة به ، ولا يتوقّف العلم بها على شيء آخر حتّى غير علّته الخاصّة حتّى قضيّة « إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب » المسمّاة بأولى الأوائل . وأمّا لو زدنا في تعريف العلم قيد كونه مانعا من النقيض فحصول العلم بكلّ قضيّة وإن كان متوقّفا على امّ القضايا إلّا أنّ الذي يتوقّف عليها هو نفي نقيضها .