فتنشىء أحيانا صورا حقّة صالحة 35 ، وأحيانا صورا جزافيّة تعبث بها .
وثالثها : عالم التجرّد عن المادّة وآثارها ، يسمّى عالم العقل .
والعوالم الثلاثة مترتّبة طولا 36 ؛ فأعلاها مرتبة ، وأقواها ، وأقدمها وجودا ، وأقربها من المبدء الأوّل 37 ، تعالى وتقدّس ، عالم العقول المجرّدة ؛ لتمام فعليّتها ، وتنزّه
شرح
- لا يخفى عليك : أنّ تصرّف النفس لا يكون إلّا بإنشاء صور جديدة . وما هو المشهور من أنّ النفس تجزّىء الصور وتفصّلها أو تركّبها وتأتي بصور مخترعة ، فهو مسامحة في التعبير ؛ لأنّ الصور العلميّة مجرّدة غير قابلة للتغيّر ، وحقيقة التجزئة والتفصيل فيها إنشاء صور الأجزاء مع بقاء صورة المركّب على حالها ، كما أنّ حقيقة التركيب فيها أيضا إنشاء صورة المركّب مع بقاء صور الأجزاء على حالها .
35 - قوله قدّس سرّه : « فتنشىء أحيانا صورا حقّة صالحة »
قد يتوهّم التنافي بين تصريحه هذا بكون النفس منشئة للصور الذهنيّة موجدة لها ، وبين ما سيأتي من أنّ مفيض الصور وموجدها هي المجرّدات العالية المثاليّة أو العقليّة .
والحلّ أنّ النفس في بدء أمرها تستفيض من مجرّدات مثاليّة أو عقليّة ، فتكتسب بذلك ثروة علميّة ، ثمّ بعد ذلك تستعدّلأن تنشىء صورا مناسبة لما استفاضتها . فالمهندس بعد ما استفاد صورا كثيرة يستعدّ لأنّ ينشئ صورا مشابهة لها ، وهي صور حقّه صالحة ، كما أنّ كلّ إنسان بعد ما استفاض صورا مختلفة مثاليّة يستعدّ لأن ينشئ صورا جزافيّة من عند نفسه .
36 - قوله قدّس سرّه : « العوالم الثلاثة مترتّبة طولا »
وهو على مبنى المشّائين ترتّب علّيّ ، حيث إنّهم يرون بعض الأشياء صادرا عن اللّه تعالى بلا واسطة ، وبعضها بواسطة أو وسائط .
وأمّا على ما ذهب إليه صدر المتألّهين قدّس سرّه واختاره المصنّف قدّس سرّه - كما مرّ في الفصل الثامن من المرحلة الثامنة ، وسيأتي في الفصل الرابع عشر من المرحلة الثانية عشرة - من كونه تعالى فاعلا قريبا لجميع ما سواه ، فهو ترتّب إعداديّ ، لا علّيّ .
37 - قوله قدّس سرّه : « فأعلاها مرتبة وأقواها وأقدمها وجودا وأقربها من المبدء الأوّل »
لا يخفى عليك : أنّ الأقوائيّة علّة للأوصاف الثلاثة المذكورة غيرها ؛ ولذا خصّها بالتعليل ، فإنّ -