الخير ما يطلبه ويقصده ويحبّه كلّ شيء ، ويتوجّه إليه كلّ شيء بطبعه 2 . وإذا تردّد الأمر بين أشياء ، فالمختار خيرها 3 . فلا يكون إلّا كمالا وجوديّا يتوقّف عليه وجود الشيء ، كالعلّة بالنسبة إلى معلولها 4 ، أو كمالا أوّلا هو وجود الشيء بنفسه ، أو كمالا ثانيا يستكمل الشيء به ويزول به عنه نقص ؛ والشرّ يقابله ، فهو عدم ذات ، أو عدم كمال ذات 5 .
شرح
- قوله قدّس سرّه : « دخول الشرّ في القضاء الإلهيّ »
أي : كيفيّة دخول الشرّ في القضاء الإلهيّ ، كما في الشفاء والاسفار ؛ فإنّ المقصود من هذا الفصل إثبات عدم دخول الشرّ في القضاء الإلهيّ إلّا بالعرض ؛ كما سيصرّح به في آخر الفصل .
2 - قوله قدّس سرّه : « الخير ما يطلبه ويقصده ويحبّه كلّ شيء ويتوجّه إليه كلّ شيء بطبعه »
يعني : أنّ خير كلّ شيء هو ما يطلبه ويقصده ويتوجّه إليه ذلك الشيء بطبعه . ففي العبارة نوع من القصور .
قوله قدّس سرّه : « يتوجّه إليه كلّ شيء بطبعه »
يريد الإشارة إلى أنّ الخير ليس هو مطلق ما يطلبه الشيء ، بل هو ما يطلبه الشيء بطبعه ، أي :
تستدعيه طبيعته ، بالمعنى الأعمّ للاستدعاء الشامل للاقتضاء . فيدلّ أوّلا على أنّ ما يطلبه الإنسان من الشهوات بما هي شهوات ليس خيرا للإنسان بما هو إنسان ، وإنّما هو خير لمرتبة حيوانيّته ، فهو خير له بما أنّه حيوان ؛ لأنّ الحيوانيّة هي التي تقتضي الشهوة بطبيعتها . وثانيا أنّ كلّا من الطلب والقصد والحبّ ليس بمعناه المتعارف ، وإنّما هو بمعنى الاستدعاء الأعمّ ، فيشمل الحبّ والقصد الذي يختصّ بذوي الشعور والإدراك ، واستدعاء المعلول لعلّته ، وكذا استدعاء الشيء لكمالاته الأولى واقتضائه لكمالاته الثانية ، الشامل كلّ منها لغير ذوي الشعور أيضا .
3 - قوله قدّس سرّه : « فالمختار خيرها »
أي : فالذي ينتخبه الفاعل ويختاره منها هو الأفضل من ما بينها .
4 - قوله قدّس سرّه : « كالعلّة بالنسبة إلى معلولها »
فإنّ العلّة ممّا يطلبه الشيء ؛ إذ لولاها لم يمكن أن يكون موجودا .
5 - قوله قدّس سرّه : « فهو عدم ذات أو عدم كمال ذات » -