والأوّل عالم المادّة والقوّة . والثاني إمّا أن يكون مجرّدا من المادّة دون آثارها ، من كيف وكمّ وسائر الأعراض الطارئة 11 للأجسام المادّيّة ؛ وإمّا أن يكون عاريا من المادّة وآثار المادّة جميعا . والأوّل عالم المثال . والثاني عالم العقل .
فالعوالم الكّلّيّة ثلاثة . وهي مترتّبة من حيث شدّة الوجود وضعفه ، وهو ترتّب طوليّ بالعلّيّة والمعلوليّة ؛ فمرتبة الوجود العقليّ معلولة للواجب تعالى بلا واسطة وعلّة متوسّطة لما دونها من المثال ؛ ومرتبة المثال معلولة للعقل وعلّة لمرتبة المادّة والمادّيّات . وقد تقدّمت إلى ذلك إشارة 12 وسيجيء توضيحه 13 .
فمرتبة الوجود العقليّ أعلى مراتب الوجود الإمكانيّ وأقربها من الواجب تعالى .
والنوع العقليّ منحصر في فرد 14 . فالوجود العقليّ بما له من النظام ظلّ للنظام الربّانيّ الذي في العالم الربوبي الذي فيه كلّ جمال وكمال . فالنظام العقليّ أحسن نظام ممكن وأتقنه ، ثمّ النظام المثاليّ الّذي هو ظلّ للنظام العقليّ ، ثمّ النظام المادّيّ الذي هو ظلّ للمثال . فالنظام العالميّ العامّ أحسن نظام ممكن وأتقنه .
شرح
11 - قوله قدّس سرّه : « سائر الأعراض الطارئة »
أي : جملة من الأعراض الطارئة . فهي من قبيل القضيّة المهملة . لأنّ من الأعراض الاستعداد ، والفعل ، والانفعال ، وهي لا توجد في المجرّدات .
12 - قوله قدّس سرّه : « قد تقدّمت إلى ذلك إشارة »
في الفصل الثالث من المرحلة الحادية عشرة .
13 - قوله قدّس سرّه : « سيجيء توضيحه »
في الفصل التاسع عشر .
14 - قوله قدّس سرّه : « النوع العقليّ منحصر في فرد »
لا يخفى عليك : أنّ ما استدلّ به على انحصار النوع المجرّد في فرد لا يختصّ بالمجرّد العقليّ ، بل يعمّه والجوهر المثاليّ .