على ما علم ، من غير إهمال في شيء ممّا علم من خصوصيّاته ، والكلّ معلوم . فله تعالى عناية بخلقه .
والمشهود من النظام العامّ الجاري في الخلق 5 ، والنظام الخاصّ الجاري في كلّ نوع ، والنظم والترتيب الذي هو مستقرّ في أشخاص الأنواع ، يصدّق ذلك ؛ فإذا تأمّلنا في شيء من ذلك 6 ، وجدنا مصالح ومنافع في خلقه نقضي منها عجبا ؛ وكلّما أمعنّا وتعمّقنا فيه ، بدت لنا منافع جديدة ، وروابط عجيبة ، تدهش اللبّ ، وتكشف عن دقّة الأمر وإتقان الصنع .
وما تقدّم من البيان 7 جار في العلل العالية والعقول المجرّدة ، التي ذواتها تامّة ،
و
شرح
- للعالم ، كان علمه بالعالم على النظام الأحسن علّة للعالم ، فلا بدّ أن يوجد العالم على أحسن نظام .
ولا يخفى عليك : أنّ قوله « الذي هو عين ذاته » من الوصف المشعر بالعلّيّة ؛ فعلّة كون علمه تعالى علّة لما سواه هو أنّه عين ذاته التي هي علّة لما سواه .
5 - قوله قدّس سرّه : « المشهود من النظام العامّ الجاري في الخلق »
استدلال على عنايته تعالى بطريق الإنّ ، حيث إنّ النظم والمصالح والروابط العجيبة من آثار العناية الفعليّة . هذا .
وأقول : كون هذا الاستدلال برهانا يتوقّف على كون مقدّماته ، ومنها ما ذكره من النظم والروابط العجيبة في النظام المشهود ، يقينيّة ، مع أنّ المقدّمة المذكورة حاصلة من الاستقراء الناقص ، والاستقراء إنّما يفيد اليقين إذا كان تامّا . والاستقراء التامّ في مفاد المقدّمة المذكورة متعذّر ؛ لأنّ كثيرا من أجزاء العالم قد مضى وخرج عن موضوع الاستقراء . وكثير من أجزائه لم يتحقّق بعد ، فهو أيضا خارج عن موضوع الاستقراء ، بل لا موقع للاستقراء الناقص أيضا ، حيث لا سبيل لنا إلى إدراك جميع مصالح موجود ومنافعه .
فالحقّ أن يجعل هذا الاستدلال تأييدا لما أفاده البرهان اللّمّيّ ، لا برهانا آخر .
6 - قوله قدّس سرّه : « فإذا تأمّلنا في شيء من ذلك »
الفاء للسببيّة . أي فإنّا إذا تأمّلنا .
7 - قوله قدّس سرّه : « ما تقدّم من البيان »
يعني ما تقدّم من البيان بكلا وجهيه ، مع تغيير في عبارة الوجه الأوّل في الجملة .