وكذلك المقارنة التي تتراءى 33 بين إدراكنا وبين الزمان ، إنّما هي بين العمل المادّيّ الاعداديّ التي تعمله النفس في آلة الإدراك وبين الزمان ؛ لا بين الصورة العلميّة بما أنّه علم 34 وبين الزمان .
ومن الدّليل على ذلك 35 : أنّا كثيرا مّا ندرك شيئا من المعلومات ونخزنه عندنا ، ثمّ نذكره بعينه بعد انقضاء سنين متمادية من غير أىّ تغيير 36 ، ولو كان مقيّدا بالزمان لتغيّر بتغيّره .
شرح
- وعلى هذا ينكشف لك ما في كلامه من الطفرة ، حيث إنّ ما سبق من الأدلّة إنّما يثبت تجرّد الصّور العلميّة ، وأما كونها قائمة بنفسها أو قائمة بالنفس ، فهو أمر تقصر عن إثباته تلك الأدلّة ، فاثبات تجرّد الصور العلميّة واستنتاج كونها قائمة بنفسها استدلال بالعامّ على الخاصّ ، مع أنّ العامّ لا يدلّ على الخاصّ بإحدى الدلالات الثلاث .
33 - قوله قدّس سرّه : « كذلك المقارنة التي تتراءى »
جواب عمّا توهّمه المعترض من كون الصورة العلميّة زمانيّة ، كما أنّ الفقرة السابقة كانت جوابا عمّا توهمّه من كونها مكانيّة .
34 - قوله قدّس سرّه : « بما أنّه علم »
الضمير يرجع إلى الصورة العلميّة . وإنّما ذكّر لمراعاة جانب الخبر .
35 - قوله قدّس سرّه : « من الدليل على ذلك »
أي : على عدم كون العلم مقيّدا بالزمان ، كما يدلّ عليه قوله قدّس سرّه : « ولو كان مقيّدا بالزمان لتغيّر بتغيّره » انتهى .
36 - قوله قدّس سرّه : « من غير أيّ تغيير »
إن قلت : لعلّه تغيّر ولم يلتفت الإنسان العالم إلى تغيّره ، فيتوهّم ثباته مع أنّه قد تغيّر في نفس الأمر .
قلت : علم الإنسان بالصورة العلميّة حضوريّ ، لا حصوليّ ، فالصورة العلميّة بوجودها الخارجيّ حاضرة للنفس ؛ وثباتها أو تغيّرها عين وجودها . ولازم ذلك أنّ النفس التي تشاهد وجودها تشاهد بعينها ثباتها . فلو وقع فيها تغيّر لشاهدته النفس المشاهدة لها .
وبعبارة أخرى : العلم بالصورة العلميّة علم حضوريّ ، ولا خطأ في العلم الحضوريّ .