فان قيل : إحكام النظام وإتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أنّ التدبير الجاري تدبير عن علم 16 ، والأصول الحكميّة القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل مجرّدة عالمة يؤيّد ذلك . فهب أنّ الأرباب المفروضين متكثّرة الذوات ومتغايرتها ، ويؤدّي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها 17 ، لكن من الجائز أن يتواطؤوا على التسالم وهم عقلاء ويتوافقوا على التلاؤم ، رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفّظا على بقائه .
قلت : لا ريب أنّ العلوم التي يبني عليها العقلاء أعمالهم صور علميّة 18 وقوانين كلّيّة مأخوذة من النظام الخارجيّ الجاري في العالم . فللنظام الخارجيّ نوع تقدّم على تلك الصور العلميّة والقوانين الكلّيّة ، وهي تابعة له . ثمّ هذا النظام الخارجيّ بوجوده الخارجيّ فعل أولئك الأرباب المفروضين ، ومن المستحيل أن يتأثّر الفاعل في فعله عن الصور العلميّة المنتزعة عن فعله المتأخّرة عن الفعل .
فان قيل : هب أنّ الأرباب المفروضين الفاعلين للنظام الخارجيّ لا يتّبعون في فعلهم الصور العلميّة المنتزعة عن الفعل ، وهي علوم ذهنيّة حصوليّة تابعة للمعلوم ، لكنّ الأرباب المفروضين فواعل علميّة لهم علم بفعلهم في مرتبة ذواتهم قبل الفعل .
فلم لا يجوز تواطؤهم على التسالم وتوافقهم على التلاؤم في العلم قبل الفعل ؟
شرح
16 - قوله قدّس سرّه : « تدبير عن علم »
وإذا كان عن علم ذي دخل فيه ، كان تدبيرا اختياريّا . كما مرّ بيانه في الفصل السابع من المرحلة الثامنة .
17 - قوله قدّس سرّه : « ويؤدّي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها »
أي : لو كانوا فاعلين بالطبع ولم يكن لهم علم واختيار .
18 - قوله قدّس سرّه : « صور علميّة »
أي : علوم حصوليّة . وقد مرّ في الفصل الثالث من المرحلة الحادية عشرة أنّ أخذ المفهوم يتوقّف على نوع من الاتّصال بالمصداق . وهذا معنى كون العلم الحصوليّ تابعا للمعلوم .