الفصل الخامس في توحيد الواجب لذاته وأنّه لا شريك له في وجوب الوجود
قد تبيّن في الفصول السابقة ، أنّ ذات الواجب لذاته عين الوجود الذي لا ماهيّة له ولا جزء عدميّ فيه ؛ فهو صرف الوجود 1 . وصرف الشيء واحد بالوحدة الحقّة التي لا تتثنّى ولا تتكرّر ، إذ لا تتحقّق كثرة إلّا بتميّز آحادها ، باختصاص كلّ منها بمعنى 2 لا يوجد في غيره ، وهو ينافي الصرافة 3 ، فكلّ ما فرضت له ثانيا عاد أوّلا .
فالواجب لذاته ، واحد لذاته - كما أنّه موجود بذاته ، واجب لذاته - وهو المطلوب . ولعلّ هذا هو مراد الشيخ بقوله في التعليقات 4 : « وجود الواجب عين هويّته ، فكونه
شرح
1 - قوله قدّس سرّه : « لا ماهيّة له ولا جزء عدميّ فيه ، فهو صرف الوجود »
فالمقدّمة الأولى للبرهان هي أنّ الواجب تعالى صرف الوجود . وقد تصدّى لإثباتها بوجهين :
الأوّل : أنّه تعالى لا ماهيّة له ، والماهيّة حدّ الوجود ، فهو تعالى لاحدّ له ، فوجوده غير مركّب من الإيجاب والسلب ، فهو صرف الوجود .
الثاني : أنّه تعالى ليس له جزء عدميّ ، أي ليس مركّبا من الوجود والعدم ، فهو صرف الوجود .
فالوجه الأوّل مبتن على ما مرّ في الفصل الثالث ، والوجه الثاني مبنيّ على ما مرّ في الفصل الرابع .
2 - قوله قدّس سرّه : « باختصاص كلّ منها بمعنى »
أي : بكمال . فالمراد بالمعنى : ما قام بغيره ، وهو الوصف .
3 - قوله قدّس سرّه : « وهو ينافي الصرافة »
إذ مقتضى الصرافة وعدم تناهي الوجود عدم فقدانه لشيء من الكمال .
4 - قوله قدّس سرّه : « لعلّ هذا هو مراد الشيخ بقوله في التعليقات »
فمعنى قوله « وجود الواجب عين هويّته » أنّ وجوده نفس حقيقته وليس له ماهيّة ، وإذا كان -