يمكن أن يكون في فضيلة الوجود مساويا لعلّته - فلو لم يكن الوجود مجعولا ذا قاهر يوجده ويحصّله كما يقتضيه ، لا يتصوّر أن يكون له نحو من القصور ، لأنّ حقيقة الوجود كما علمت بسيطة 20 ، لا حدّ لها ولا تعيّن ، إلّا محض الفعليّة والحصول ؛ وإلّا لكان فيه تركيب أو له ماهيّة غير الموجوديّة 21 ، وقد مرّ أيضا أنّ الوجود ، إذا كان معلولا ، كان مجعولا بنفسه جعلا بسيطا 22 ، وكان ذاته بذاته مفتقرا إلى جاعل ، وهو متعلّق الجوهر والذات بجاعله .
فإذن قد ثبت واتّضح أنّ الوجود إمّا تامّ الحقيقة واجب الهويّة ، وإمّا مفتقر الذات إليه متعلّق الجوهر به ؛ وعلى أيّ القسمين يثبت ويتبيّن أنّ وجود واجب الوجود غنيّ الهويّة عمّا سواه ، وهذا هو ما أردناه » انتهى . ( الأسفار ، ج 6 ، ص 16 ) .
شرح
- لا يخفى عليك : أنّ هذا وما بعده تعليلان لمعلّلين قد سبقاه ، على طريق اللفّ والنّشر المرتّبين .
فقوله : « لما مرّ أنّ حقيقة الوجود . . . » تعليل لقوله : « والأوّل هو واجب الوجود ، وهو صرف الوجود . . . » وقوله : « وقد مرّ أيضا أنّ الوجود . . . » تعليل لقوله : « والثاني هو ما سواه من أفعاله وآثاره ، ولا قوام لما سواه إلّا به . »
20 - قوله قدّس سرّه : « لأنّ حقيقة الوجود كما علمت بسيطة »
أي : حقيقة الوجود في حدّ ذاتها ، ما لم يلحقها النقص لأجل المعلوليّة ، بسيطة .
21 - قوله قدّس سرّه : « وإلّا لكان فيه تركيب أو له ماهيّة غير الموجوديّة »
تفنّن في التعبير ، حيث إنّ كون الوجود محدودا يلازم كونه مركّبا من الوجود والعدم ، كما مرّ في الفصل الثالث من المرحلة الأولى ، كما يلازم كونه ذا ماهيّة ، حيث إنّ الماهيّة حدّ الوجود .
قوله قدّس سرّه : « غير الموجوديّة »
هذا هو الصحيح ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « غير الوجوديّة » .
22 - قوله قدّس سرّه : « كان مجعولا بنفسه جعلا بسيطا »
كان مجعولا بنفسه ، لا بماهيّته ، فالمجعول هو الوجود دون الماهيّة .
ويكون جعله بسيطا ، لا مركّبا ، فالجعل تعلّق بنفسه ، لا بالنسبة بينه وبين الماهيّة ، فليس المجعول هو الصيرورة .