وأمّا خفاؤه علينا فلما علمت ، من أنّه لغاية ظهوره وضعف بصائرنا عن إدراكه 20 ؛ فجهة خفائه هي بعينها جهة وضوحه وجلائه .
وهكذا كلّ علم بحقيقة علّة 21 بالقياس إلى العلم بحقيقة معلولها . وكذا العلم بحقيقة كل جوهر ، هو أشدّ من العلم بحقيقة كلّ عرض ؛ وهو أولى وأقدم من العلم بحقيقة العرض القائم بذلك الجوهر ، لكونه علّة له 22 ، لا بحقيقة سائر الأعراض غير القائمة به .
وأمّا إطلاق العلم على الفعل والانفعال والإضافة - كالتعليم والتعلّم والعالميّة - فعلى سبيل الاشتراك أو التجوّز . انتهى ( ج 3 ، ص 382 ) .
شرح
20 - قوله قدّس سرّه : « من أنّه لغاية ظهوره وضعف بصائرنا عن إدراكه »
فمثله مثل النور ، حيث إنّه يخفى علينا لغاية ظهوره وضعف أبصارنا عن إدراكه ؛ فإنّ النور هو الذي يظهر به الأشياء لأبصارنا ، ولكن تضعف أبصارنا عن رؤيته لضعفها ، كأنّ أبصارنا تعجز عن مشاهدة الظاهر المطلق ، وينحصر دركها في ما امتزج بظلمة واختلط بكدورة ، ولذا لا ترى الهواء والماء الصافي والمرآة الصقيل .
21 - قوله قدّس سرّه : « هكذا كلّ علم بحقيقة علّة »
أتى بلفظة الحقيقة ليدلّ على أنّ المراد من العلم هنا العلم الحضوريّ المتعلّق بواقع المعلوم وحقيقته العينيّة ، بخلاف العلم الحصوليّ المتعلّق بمفهومه لا بواقعه الخارجيّ . وذلك لأنّ العلم الحصوليّ بالعلّة ، الذي ليس إلّا مفهوم العلّة ، ليس أقوى من العلم الحصوليّ بالمعلول ، الذي هو مفهوم المعلول . وهذا بخلاف العلم الحضوريّ بالعلّة وبالمعلول ، فإنّ العلم الحضوريّ بالعلّة نفس وجود العلّة والعلم الحضوريّ بالمعلول نفس وجود المعلول ، ولا ريب أنّ وجود العلّة أقوى من وجود المعلول ، وأقدم وأولى في صدق مفهوم الوجود عليه .
22 - قوله قدّس سرّه : « لكونه علّة له » .
أثبتناه هكذا على خلاف ما في النسخ من قوله : « لكونه علّة لها » .