البدن أغفلها علومها وشغلها عن التوجّه إليها .
وفيه : أنّ نحو وجود النفس ، بما أنّها نفس ، أنّها صورة مدبّرة للبدن ؛ فتدبير البدن ذاتيّ لها حيثما فرضت نفسا 3 ؛ فلا يؤول الجمع بين ذاتيّة العلوم لها وبين شاغليّة تدبير البدن لها عن علومها إلّا إلى المناقضة 4 .
نعم ! يتّجه هذا القول بناء على ما نسب إلى أفلاطون 5 ، أنّ النفوس قديمة زمانا 6 ، والعلوم ذاتيّة لها ، وقد سنح لها التعلّق التدبيريّ بالأبدان ، فأنساها التدبير علومها المرتكزة في ذواتها .
شرح
3 - قوله قدّس سرّه : « فتدبير البدن ذاتيّ لها حيثما فرضت نفسا »
يشير بقوله : « حيثما فرضت نفسا » إلى أنّه عندما تترك تدبير البدن بالموت لا تبقى نفسا ، بل تكون قد تكاملت وصارت وجودا مجرّدا محضا - مثاليّا أو مثاليّا وعقليّا - وعلى أيّ التقديرين فهي مفارقة للمادّة ، لا تعلّق لها بالمادّة لا ذاتا ولا فعلا . وذلك نظير ما ترى من أنّ الجسم النامي يصير حيوانا ، ثمّ إنسانا .
4 - قوله قدّس سرّه : « فلا يؤول الجمع بين ذاتيّة العلوم لها وبين شاغليّة تدبير البدن لها عن علومها إلّا إلى المناقضة . »
وذلك لأنّ مقتضى ذاتيّة العلوم لها على ما ذهبوا إليه هو التفاتها إلى تلك العلوم في بدء كينونتها وإنّما أغفلها إيّاها اشتغالها بتدبير البدن ، ومقتضى شاغليّة تدبير البدن لها - وتدبير البدن ذاتيّ لها - عدم التفاتها إلى تلك العلوم أصلا .
وفيه : منع اقتضاء الذاتيّة الالتفات ، بل الذاتيّة هو كونها مركوزة في النفس موجودة فيها ، سواء غفلت عنها أم لا . فلا منافاة بين شاغليّة البدن لها عن علومها وبين كون العلوم ذاتيّة لها .
5 - قوله قدّس سرّه : « على ما نسب إلى أفلاطون »
إنّما عبّر بقوله : « نسب » للإشارة إلى ما يحكيه بعيد هذا عن صدر المتألّهين قدّس سرّه من توجيه قوله بالقدم بأنّ المراد قدم نشأتها العقليّة .
6 - قوله قدّس سرّه : « أنّ النفوس قديمة زمانا »
مراده من القدم الزمانيّ ليس مجرّد عدم مسبوقيّتها بالعدم الزمانيّ - كما في قدم المادّة والحركة والزمان زمانا - بل المراد كونها أزليّة لا بدء لوجودها .