عنه ، صفتان عامّتان متلازمتان لا سبب لهما 14 ؛ بل الملازمة ذاتيّة ، كسائر موضوعات الحكمة الإلهيّة . ووجود المحسوس في الخارج من النفس من مصاديق هاتين المتلازمتين ، ينتقل العقل من أحدهما إلى الآخر . وهذا كما أنّ الملازمة بين الشيء وبين ثبوته لنفسه ذاتيّة 15 ، وثبوت هذا الشيء لنفسه من مصاديقه ، والعلم به لا يتوقّف على سبب .
فقد ظهر ممّا تقدّم أنّ البحث عن المطلوب إنّما يفيد العلم به بالسلوك إليه عن طريق سببه ، إن كان ذا سبب ؛ أو من طريق الملازمات العامّة إن كان ممّا لا سبب له .
وأمّا السلوك إلى العلّة من طريق المعلول فلا يفيد علما البتّة 16 .
شرح
14 - قوله قدّس سرّه : « صفتان عامّتان متلازمتان لا سبب لهما »
أي : ليس التلازم الموجود بينهما ناشئا عن علّيّة ومعلوليّة ، حتّى يكون تلازمهما مسبّبا عن سبب بل الملازمة ذاتيّة ، حيث إنّ أحدهما عين الآخر في الخارج ، فتلازمهما في الذهن لذاتهما التي ليست إلّا حقيقة واحدة في الخارج . وإن شئت فقل : إنّ التلازم بينهما ليس تلازما خارجيّا ، بل إنّما هو تلازم تحليليّ عقليّ ، حيث يرى العقل كلّا منهما لا ينفكّ عن الآخر .
15 - قوله قدّس سرّه : « كما أنّ الملازمة بين الشيء وبين ثبوته لنفسه ذاتيّة »
فعندما نقول : « هذا شيء ، وكلّ شيء ثابت لنفسه » ، الأوسط وهو الشيء والأكبر وهو ثبوته لنفسه ، موجودان في الخارج بوجود واحد هو وجود هذا الشيء ، فلا علّيّة ومعلوليّة بينهما ، وإنّما هما متلازمان لا سبب لهما .
16 - قوله قدّس سرّه : « وأمّا السلوك إلى العلّة من طريق المعلول فلا يفيد علما البتّة »
لأنّه قد ثبت في هذا الفصل أنّ العلم بالمعلول لا يحصل إلّا من العلم بعلّته . فلو توقّف العلم بالعلّة أيضا على العلم بالمعلول ، للزم الدور . كما نبّه عليه في تعليقته على الأسفار ، ج 6 ، ص 27 .
ثمّ لا يخفى عليك : أنّ السلوك من أحد معلولي علّة واحدة إلى الآخر ، مستلزم للسلوك من المعلول إلى العلّة ؛ لأنّه لا يمكن السلوك من أحد المعلولين إلى الآخر مباشرة ، وإنّما يسلك منه إلى العلّة ومنها إلى المعلول الآخر .
فيتلخّص ممّا بيّنه في هذا الفصل أنّ المفيد لليقين من البرهان ، هو البرهان اللمّيّ أو الإنّيّ الذي يسلك فيه من أحد المتلازمين العامّين إلى الآخر ؛ دون ما كان السلوك فيه من المعلول إلى العلّة ، أو من أحد معلولي علّة ثالثة إلى الآخر .