الفصل الرابع عشر في أنّ العلوم ليست بذاتيّة للنفس 1
قيل : إنّ ما تناله من العلوم ذاتيّة لها 2 ، موجودة فيها بالفعل في بدء كينونتها . ولمّا أورد عليهم أنّ ذلك ينافي الجهل المشهود من الإنسان ببعض العلوم والحاجة في فعليّتها إلى الاكتساب ؛ أجابوا بأنّها ذاتيّة فطريّة لها ، لكنّ اشتغال النفس بتدبير
شرح
1 - قوله قدّس سرّه : « أنّ العلوم ليست بذاتيّة للنفس »
المراد من النفس هي النفس الناطقة الإنسانيّة ، كما صرّح بذلك في الأسفار ج 3 ، ص 487 ، ومثله في المباحث ج 1 ، ص 374 - 375 . والمراد من العلوم هو تعقّلها للأشياء الخارجة عن ذاتها .
تدلّ على ذلك - مضافا إلى أنّ علم النفس بذاتها وصفاتها ليس إلّا نفس ذاتها ، فلا محيص عن كونه ذاتيّا لها - كلماتهم في عنوان المسألة وغيره . قال في الأسفار ، ج 3 ، ص 291 : « البرهان قائم على أنّ علمنا بذاتنا ليس غير ذاتنا » انتهى . وقال في المباحث المشرقيّة ، ج 1 ، ص 374 : « الفصل الخامس في أنّ تعقّل النفس الناطقة لغيرها ليس أمرا ذاتيّالها » انتهى . وفي الأسفار ، ج 3 ، ص 487 : « الفصل الثامن في أنّ تعقّل النفس الإنسانيّة للمعقولات ليس أمرا ذاتيّا لها » انتهى . فراجع .
2 - قوله قدّس سرّه : « قيل إنّ ما تناله النفس من العلوم ذاتيّة لها »
أي : إنّ ما تزعم النفس نيلها .
قوله : قدّس سرّه : « قيل : إنّ ما تناله النفس من العلوم ذاتيّة لها »
مرادهم من الذاتيّ ما هو مرتكز في الذات مغروس في صميم الفطرة ؛ فالذاتيّ هنا مرادف للفطريّ بالمعنى اللغويّ ، كما يشهد لذلك إردافه بالفطريّ في قوله : « أجابوا بأنّها ذاتيّة فطريّة لها » .
ويقابل الذاتيّ بهذا المعنى المكتسب بالمعنى اللغويّ الذي هو أعمّ من المكتسب في مصطلح المنطق والفلسفة - العلم النظريّ الفكريّ - وهو الذي يحصل للنفس بسعيها ، ولا يكون مركوزا في فطرتها حاصلا لها في بدء كينونتها ، سواء كان بديهيّا حاصلا من دون فكر ونظر ، أم كسبيّا بالمعنى المصطلح ، وهو الحاصل من طريق الفكر والنظر .