وهل يختصّ العلم الحضوريّ بعلم الشيء بنفسه : أم يعمّه وعلم العلّة بمعلولها ، وعلم المعلول بعلّته ؟ ذهب المشّاؤون إلى الأوّل ، والإشراقيّون إلى الثاني ، وهو الحقّ ؛ وذلك لأنّ وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى وجود علّته 3 ، قائم به ، غير مستقلّ عنه بوجه ؛ فهو - أعني المعلول - حاضر بتمام وجوده لعلّته ، غير محجوب عنها ؛ فهو بنفس وجوده معلوم لها علما حضوريّا ، إن كانا مجرّدين 4 .
وكذلك العلّة حاضرة بوجودها لمعلولها الرابط لها 5 ، القائم بها ، المستقلّ باستقلالها ، فهي معلومة لمعلولها 6 علما حضوريّا إذا كانا مجرّدين ؛ وهو المطلوب .
شرح
- وموجودا في نفسه لنفسه .
قوله قدّس سرّه : « حاضر لنفسه »
لكونه جوهرا مجرّدا ؛ فإنّه لكونه جوهرا يكون وجوده لنفسه ، ولكونه مجرّدا يكون وجوده هذا وجود مجرّد لمجرّد . وقدّ مرّ في الفصل الأوّل أنّ حصول موجود مجرّد لموجود مجرّد يسمّى حضورا ، وأنّ هذا الحضور هو العلم .
3 - قوله قدّس سرّه : « لأنّ وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى وجود علته »
فهو موجود في علّته ، تدركه العلّة وتحيط به .
4 - قوله قدّس سرّه : « إن كانا مجرّدين »
لا يخفى عليك : أنّ الإشراقييّن لا يشترطون في علم العلّة بمعلولها علما حضوريّا ، كون المعلوم مجرّدا ، كما سيصرّح بذلك في الفصل الحادي عشر من المرحلة الثانية عشرة .
نعم ؛ المصنّف قدّس سرّه : يشترط ذلك ، كما مرّ في الفصل الأوّل ، وسيأتي أيضا في الفصل الحادي عشر من المرحلة الثانية عشرة ؛ فإنّ العلم مطلقا عنده عبارة عن حضور مجرّد لمجرّد .
5 - قوله قدّس سرّه : « لمعلولها الرابط لها »
من قبيل تعليق الحكم بالوصف المشعر بالعلّيّة ؛ فإنّ المعلول لكونه رابطا موجودا في وجود علّته ، يكون معلوما للعلّة العالمة بنفسها بعلمها بنفسها .
6 - قوله قدّس سرّه : « فهي معلومة لمعلولها » -