تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الحكمة ( تعليق الفياضي ) — صفحة 918

مساهمون:

ص٩١٨
لا يلهو عن نفسه ، ولا يغفل عن مشاهدة ذاته ، وإن فرضت غفلته عن بدنه ، وأجزائه ، وأعضائه 5 . وليس علمه هذا بذاته ، بحضور ماهيّة ذاته عند ذاته ، حضورا مفهوميّا ، وعلما
شرح
5 - قوله قدّس سرّه : « وإن فرضت غفلته عن بدنه وأجزائه وأعضائه » . وقد جعل الشيخ هذا الإدراك دليلا على وجود النفس . قال في الفصل الأوّل من النمط الثالث من الإشارات والتنبيهات : « ارجع إلى نفسك وتأمّل هل إذا كنت صحيحا ، بل وعلى بعض أحوالك غيرها بحيث تفطن للشيء فطنة صحيحة ، هل تغفل عن وجود ذاتك ولا تثبت نفسك ؟ ! ما عندي أنّ هذا يكون للمستبصر ، حتّى أنّ النائم في نومه والسكران في سكره لا يعزب ذاته عن ذاته وإن لم يثبت تمثّله لذاته في ذكره . ولو توهّمت أن ذاتك قد خلقت أوّل خلقها صحيحة العقل والهيأة ، وقد فرض أنّها على جملة من الوضع والهيأة لا تبصر أجزائها ولا تتلامس أعضاؤها ، بل هي منفرجة ومعلّقة لحظة مّا في هواء طلق ، وجدتها قد غفلت عن كلّ شيء إلّا عن ثبوت إنّيتها » انتهى . وقال المحقّق الطوسيّ قدّس سرّه في شرحه : « أقول : يريد أن ينبّه على وجود النفس الإنسانيّة ، بأن الإنسان الكامل الإدراك وغير كامله الذي يختلّ إدراكه إمّا بالحواسّ الظاهرة ، كالنائم ، وإمّا بالحواسّ الظاهرة والباطنة جميعا ، كالسكران ، بشرط أن يكون له مع ذلك فطنة صحيحة ، لا يغفل عن وجود ذاته . ثمّ زاد إيضاحا بفرض حالة للإنسان لا يدرك فيها شيئا غير ذاته ، وهو أن يتوهّم أنّه خلق أوّل خلقه ، حتّى لا يكون له تذكّر أصلا ، واشترط كونه صحيح العقل ، ليتنبّه لذاته ، وكونه صحيح الهيأة ، لئلّا يؤذيه مرض ، فيدرك حالا لذاته غير ذاته ، وكونه بحيث لا يبصر أجزائه ، لئلّا يدرك جملة فيحكم بأنّه هي ، ولا يتلامس أعضاؤه ، لئلّا يحسّ بأعضائه ؛ بل منفرجة ومعلّقة في هواء طلق - بفتح الطاء وسكون اللام - أي غير محسوس بكيفيّة غريبة فيه ، من حرّ أو برد . يقال : يوم طلق وليلة طلقة : إذا لم يكن فيه حرّ ولا قرّ ولا شيء يؤذي . وإنّما اشترط كون الهواء طلقا ، لئلّا يحسّ بشيء خارج عن جسده أيضا ؛ فإنّ الإنسان في مثل الحالة المذكورة يغفل عن كلّ شيء كأعضائه الظاهرة والباطنة ، وككونه جسما ذا أبعاد ، وكحواسّه وقواه ، وكالأشياء الخارجة عنه جميعا إلّا عن ثبوت ذاته فقط . فإذن أوّل الإدراكات على الإطلاق وأوضحها هو إدراك الإنسان نفسه » انتهى .