ما يصنعه المجبر أنّه يجعل الفعل ذا طرف واحد 37 ، فيواجه الفاعل المكره فعلا ذا طرف واحد ليس له إلّا أن يفعله 38 ، كما لو كان الفعل بحسب طبعه كذلك .
نعم ! العقلاء في سننهم الاجتماعيّة فرّقوا بين الفعلين 39 ، حفظا لمصلحة الاجتماع ، ورعاية لقوانينهم الجارية المستتبعة للمدح والذمّ والثواب والعقاب ؛ فانقسام الفعل إلى الاختياريّ والجبريّ انقسام اعتباريّ ، لا حقيقيّ 40 .
ويظهر أيضا 41 أنّ الفاعل بالعناية من نوع الفاعل بالقصد 42 ، فإنّ تصوّر السقوط
شرح
37 - قوله قدّس سرّه : « أنّه يجعل الفعل ذا طرف واحد »
أي : يجعل طرفا واحدا منه راجحا في نظر الفاعل ، بحيث يرى ضرورته ، ويختاره .
38 - قوله قدّس سرّه : « ليس له إلّا أن يفعله »
بحسب مصلحته ، وإن كان قادرا على الترك ، كما يرى العطشان أنّه ليس إلّا أن يشرب الماء ، ومع ذلك فهو قادر على أن يترك الشرب ويموت .
39 - قوله قدّس سرّه : « العقلاء في سننهم الاجتماعيّة فرّقوا بين الفعلين »
وقرّرهم الشارع على ذلك بقوله : « رفع ما استكرهوا عليه » .
40 - قوله قدّس سرّه : « لا حقيقيّ »
بأن يكون الفاعل بالجبر فاقدا للإرادة ، ويكون قسيما للفاعل بالقصد ، كما يراه الجمهور .
41 - قوله قدّس سرّه : « يظهر أيضا »
حيث تبيّن أنّ الفاعل الّذي لعلمه دخل في صدور أفعاله ليس تصوّره للفعل علّة تامّة للفعل ، بل إنّما جهّز بالعلم لتمييز ما هو كماله فهو لا يعمل إلّا ما يرى كماله فيه ويصدّق بفائدته ، فلا يخلو في فعله عن داع يدعوه إليه ، هو كماله المعبّر عنه بالفائدة .
42 - قوله قدّس سرّه : « أنّ الفاعل بالعناية من نوع الفاعل بالقصد »
أقول : بل من الفاعل بالطبع .
وذلك لأنّه لا يريد السقوط ولا يختاره ، بل بعد تصوّر السقوط يعرضه الخوف والوحشة من غير اختيار له في ذلك ، وإذا استغرقه الخوف والوحشة اضطرب بدنه ولم يقدر على حفظ