ويتبيّن به أنّ الوجود حقيقة مشكّكة ذات مراتب مختلفة ، كما مثّلوا له بحقيقة النور 16 على ما يتلقّاه الفهم الساذج أنّه حقيقة واحدة 17 ذات مراتب مختلفة في الشدّة والضعف ، فهناك نور قويّ ومتوسّط وضعيف مثلا ، وليست المرتبة القويّة نورا وشيئا زائدا على النوريّة ، ولا المرتبة الضعيفة تفقد من حقيقة النور شيئا ، أو تختلط بالظلمة التي هي عدم النور ؛ بل لا تزيد كلّ واحدة من مراتبه المختلفة على حقيقة النور المشتركة شيئا ، ولا تفقد منها شيئا ؛ وإنّما هي النور في مرتبة خاصّة بسيطة ، لم تتالّف من اجزاء ، ولم ينضمّ إليها ضميمة ، وتمتاز من غيرها بنفس ذاتها التي هي النوريّة المشتركة .
فالنور حقيقة واحدة بسيطة ، متكثّرة في عين وحدتها ، ومتوحّدة في عين كثرتها . كذلك
شرح
زائدة على الماهيّة خارجة عنها ؛ مثل كونها « مقولة » أي محمولا ذاتيّا ليس لها محمول ذاتيّ ؛ أو كونها ماهيّة ، أي كونها مقولات على الأشياء في جواب ما هو ؛ ومثل كون تسعة منها عرضا ، أي كون وجودها في الموضوع . فهذه المفاهيم لم تنتزع من الأجناس العالية بما هي متباينة ، بل بما هي مشتركة في أمور تحكيها هذه المفاهيم . وعليك بالرجوع إلى الفصل الخامس من المنهج الثاني من المرحلة الأولى من كتاب الأسفار الأربعة ، ج 1 ، ص 123 .
16 - قوله قدّس سرّه : « كما مثّلوا له بحقيقة النور »
لمّا كان التشكيك - تشكيك الوجود - بعيدا عن الذهن ، حيث إنّه وحدة في عين الكثرة والاختلاف ، فكلّما التفت الذهن إلى وحدة الحقيقة غفل عن الاختلاف والكثرة ، وكلّما التفت إلى الاختلاف ذهل عن وحدة الحقيقة ، بل ربّما عسر عليه الجمع بين الاختلاف ووحدة الحقيقة ، تصدّوا لذكر أمثلة ونظائر له حتّى يقرب بذلك إلى الذهن .
ولمّا كان مثال النور مبتنيا على النظر البسيط العامي ، كان الأولى أن يمثّل له بالحركة . فإنّ الحركة حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة بالسرعة والبطء ، وليست السريعة حركة وشيئا زائدا على الحركة ، كما أنّها ليست البطيئة مركّبة من الحركة والسكون . بل الحركة ، وهو السيلان ، قد تشتدّ فتكون سريعة وقد تضعف فتكون بطيئة . فالحركة حقيقة واحدة متكثّرة في عين وحدة حقيقتها ومتوحّدة في عين كثرتها .
17 - قوله قدّس سرّه : « على ما يتلقّاه الفهم الساذج أنّه حقيقة واحدة »
وأنّه عرض بسيط . خلافا لما عليه النظر الدقيق العلميّ من أنّه مركّب من ذرّات أو أمواج أو ذرّات موجيّة .